المقالات

الشاشات تسرق هدوءنا… فهل نستطيع المقاومة؟

بقلم: موضي المرواني

لا أعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي مشكلة بحد ذاتها، لكنني على يقين بأنها أصبحت عبئًا نفسيًا حين فقدنا القدرة على استخدامها دون أن نُستَخدم نحن من خلالها. في كل مرة نفتح فيها هواتفنا، نظن أننا نبحث عن تواصل أو خبر سريع، بينما نحن في الحقيقة نُعرّض أنفسنا لسيلٍ من المقارنات والانفعالات لا نشعر بثقلها إلا متأخرين.

 

ما نراه يوميًا على الشاشات ليس الحياة كما هي، بل الحياة بعد أن خضعت للانتقاء والتجميل. نجاحات تُعرض بلا كلفة، وسعادة بلا تعب، ووجوه تبتسم دائمًا. ومع الوقت، يبدأ هذا المشهد المتكرر في خلق سؤال داخلي صامت: لماذا تبدو حياة الآخرين أفضل؟ وهو سؤال ظالم؛ لأنه يُقارن واقعًا كاملًا بلحظات مختارة بعناية.

 

أكثر ما يقلقني في تأثير هذه المنصّات، هو ارتباط الشعور بالقيمة بردود الفعل الرقمية. الإعجاب لم يعد مجرّد تفاعل، بل تحوّل لدى البعض إلى شهادة قبول. وحين يتأخر أو يغيب، يترك خلفه فراغًا نفسيًا لا علاقة له بالحقيقة، بل بالصورة.

 

كما لا يمكن تجاهل الإرهاق الناتج عن التعرّض المستمر للأخبار السلبية. نعيش المآسي لحظة بلحظة، نستهلكها بلا فاصل، ثم نتساءل لماذا نشعر بالثقل والقلق. النفس البشرية لم تُخلق لتتحمّل هذا الكم من الألم اليومي دون مسافة آمنة.

 

ومع ذلك، لا أتبنّى دعوات القطيعة الكاملة. المشكلة ليست في المنصّات، بل في غياب الحدود. في الاستخدام الذي لا يعرف التوقف، وفي السماح للشاشة بأن تقتحم وعينا في كل وقت. حين نُعيد ضبط علاقتنا بها، ونختار متى نتابع ومتى نبتعد، تستعيد النفس شيئًا من هدوئها.

 

ربما نحتاج اليوم إلى مهارة جديدة لا تُدرّس: أن نعرف متى نغلق الهاتف، لا هربًا من العالم، بل حفاظًا على أنفسنا. ففي زمنٍ صار فيه كل شيء متاحًا، تبقى الطمأنينة هي العملة الأندر.

 

بقلم: موضي المرواني


اكتشاف المزيد من صحيفة صوت الوطن

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com