المقالات

لم أَعُدْ مِنَ البَشَر

بقلم : نجفيه حمادة

في حِضْنِ اللَّيلِ حيثُ تَتَلاشَى الألوانُ، وتُهَدْهَدُ الصَّمْتُ أطلالَ أحلامٍ مُتَكَسِّرَةٍ، يَقِفُ عالَمٌ مُنْهارٌ كجَسَدٍ أَنْهَكَتْهُ الأزمنةُ. هُنا لم تَعُدْ للأماني وُجوهٌ، ولا للضَّحكاتِ صَدًى. ثَمَّةَ أشياءُ تُقاسُ بالوَجَعِ: وَجَعُ الأرضِ التي تَكَسَّرَتْ تحتَ وطأةِ الخرابِ، ووَجَعُ القلوبِ التي تاهَتْ بينَ سؤالٍ بلا جوابٍ، ووَجَعُ الذكرياتِ التي تَتَساقَطُ كأوراقِ خريفٍ يأبى أن يُغادِرَ.

في هذا العالمِ لا يَسمعُ الناسُ إلا صَدَى أنفاسِهم المُتَثاقِلةِ، ولا يَرَوْنَ أمامَهم سوى أطيافِ ما كانَ، وكأنَّ كلَّ بقاءٍ صارَ حُلمًا عالقًا بينَ فَكَّيْ خَيْبةٍ لا تُشْفَى، وصَبْرٍ لم يَعُدْ يَحتملُ الانتظارَ.

هُنا في عالمٍ مُنْهارٍ يَتَعَلَّمُ القلبُ أن يَبتكرَ نورًا من العَتَمةِ، وأن يَزرعَ آمالًا رغمَ الرمادِ؛ لأنَّ الإنسانيَّةَ تبدأُ حينَ يَقِفُ في وجهِ السقوطِ، يَبتسمُ في وجهِ ذلك الخرابِ، ويَهمسُ بأنَّ الغدَ سيُولَدُ من رحمِ الألمِ.

يَتَثاقَلُ الجسدُ وكأنَّهُ لم يَعُدْ من البشرِ؛ أَصبحَ كآلةٍ تُحارِبُ الزمنَ، إمَّا يَنتصرُ أو يُصبحُ أشلاءَ من بقايا بشرٍ. تُصبحُ الرؤيةُ ضبابيَّةً، وتَتَكَسَّرُ كلُّ الوجوهِ، وكأنَّهُ شجرةُ زيتونٍ هَزَّتها الرِّيحُ في يومٍ عاصفٍ، فلم يَعُدْ هناك أوراقٌ ولا ثمرٌ، تَظلُّ واقفةً بأغصانِها إلى أن يَهِلَّ الغيثُ وتَعودَ لعطائِها. فهل تَعودُ كما كانت؟

لا شيء يعودُ كما كانَ. تُصبحُ الوعودُ أوهامًا، والناسُ أشباحًا. فهل يَقْوَى الغُصنُ بعدَ كَسرِه؟! تَتبدَّلُ الأوطانُ وتَبهتُ الألوانُ، أَصبحتِ القلوبُ مُقْفِرَةً، ويَضيقُ الكونُ بما رَحُبَ، وكلُّ ذلك كانتِ الخيبةُ والصَّدمةُ كفيلتَيْنِ بصُنعِه: رَجفةُ اليدينِ، وهَزَّةُ الروحِ والجسدِ إيذانًا بموتِ كلِّ شعورٍ جميلٍ مَرَّ واستُبدِلَ.

وإن كنتَ يا هذا تَعيشُ بهذا العالمِ، قِفْ قليلًا وتَنَفَّسْ، وادعُ اللهَ بلُطفِه عليك، وابكِ؛ فلا يَخذلُ اللهُ عبدًا يَسجدُ باكيًا، وما هذه الدنيا إلا جِسرَ عبورٍ.

نَمْ مظلومًا، واحمَدِ اللهَ لَم تَكُنْ ظالمًا، وعدالتُهُ ستَجري على الجميعِ. وإن كُبِّلَتِ السعادةُ وأُلْهِبَ الغضبُ، كُنْ رسولَ الحبِّ في عملِك وسَكناتِ روحِك؛ فلا شيء يَبقى على حالِه. اعلمْ أنَّك لم تَعُدْ من البشرِ، ووَجَعَكَ كبيرٌ؛ فأنتَ لستَ بشرًا، وإنَّما مَلَكٌ سَخَّره اللهُ في الأرضِ، فكانَ الله في عَوْنِك يا هذا.


اكتشاف المزيد من صحيفة صوت الوطن

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com