المقالات

أبو القاسم سعد الله في السعودية.. رحلة حضور علمي وامتداد ثقافي

بقلم : الدكتور رضوان بن الرتمي شافو مؤرخ وكاتب _الجزائر

ليس من اليسير أن يطلق على المؤرخ الجزائري أبو القاسم سعد الله لقب «شيخ المؤرخين الجزائريين»؛ فهذا اللقب لم يأت اعتباطا، وإنما كان ثمرة مسيرة علمية وأدبية حافلة بالعطاء، امتدت على مدى عقود من الزمن، أسهم من خلالها في ترسيخ مكانته بوصفه واحدا من أبرز أعلام الفكر والثقافة والتاريخ في الجزائر والعالم العربي، ولم ينحصر عطاؤه في حدود التأليف الأكاديمي والبحث التاريخي، بل تجاوزهما إلى آفاق أرحب من التواصل العلمي والثقافي، مجسدا نموذجا للمثقف العربي الذي جعل من المعرفة جسرا يصل بين أقطار العالم العربي ومؤسساته ونخبه، وتبرز المملكة العربية السعودية بوصفها إحدى المحطات البارزة في هذا المسار، إذ أسهمت صلات سعد الله بالمؤسسات العلمية والثقافية السعودية وبنخبها الفكرية في توطيد أواصر التعارف العلمي، وإتاحة فضاءات لتبادل الخبرات والمعارف والأفكار، كما عكس حضوره في المشهد الثقافي السعودي انفتاحه على القضايا الفكرية والتاريخية ذات الأبعاد المشتركة، ولا سيما ما يتصل بتاريخ الجزائر وصلاتها بالمشرق العربي والخليج، بالإضافة إلى أنه من خلال رحلاته العلمية، ومشاركاته في المؤتمرات والندوات، وكتاباته المنشورة في المجلات الثقافية السعودية، اضطلع سعد الله بدور مهم في التعريف بالتراث الفكري والتاريخي الجزائري لدى النخب الثقافية والأكاديمية السعودية، وفي الوقت ذاته أتاح له احتكاكه بالحياة العلمية والثقافية في المملكة العربية السعودية الإفادة من حركتها الفكرية والعلمية المتنامية.

وعلى الرغم من أهمية الحضور العلمي والثقافي لأبو القاسم سعد الله في المملكة العربية السعودية، فإن الدراسات التي أفردت هذا الحضور بالبحث والتحليل لا تزال في حدود ما اطلعت عليه محدودة؛ الأمر الذي دفعني إلى تتبع ملامح هذا الحضور وآثاره من خلال مصادر متفرقة، يأتي في مقدمتها مذكراته الموسومة بـ «مسار قلم.. يوميات»، إلى جانب مقالاته المنشورة في عدد من المجلات الثقافية السعودية، وفي مقدمتها «المنهل» و«العرب» و«الفيصل»، وتكشف هذه المصادر في مجموعها، عن حضور لم يكن وليد مناسبة علمية عابرة، وإنما تبلور في سياق أوسع من التواصل الثقافي والعلمي بين الجزائر والمملكة العربية السعودية.

وقد اتخذ هذا التواصل بالنسبة إلى أبو القاسم سعد الله مسارا أكثر وضوحا منذ رحلته الأولى إلى المملكة العربية السعودية في أفريل 1977م، حين شارك في الندوة العالمية الأولى لمصادر تاريخ الجزيرة العربية بمدينة الرياض، إلى جانب أدائه مناسك العمرة، ولم تكن هذه الرحلة مجرد مشاركة في تظاهرة علمية فقط، بل شكلت محطة معرفية وثقافية ثرية في مساره، أتاحت له الانخراط في النقاشات العلمية، وترأسه لإحدى جلسات الندوة، وتقديم بحث حول « الرحلات الجزائرية الحجازية خلال العهد العثماني»، بما يعكس اهتمامه المبكر برصد الصلات التاريخية والثقافية التي جمعت الجزائر بالحجاز والمشرق العربي، كما حرص سعد الله خلال إقامته بالرياض، على توسيع دائرة تواصله مع أعلام الفكر والتاريخ والثقافة فيها، فالتقى عددا من الشخصيات البارزة، وفي مقدمتهم حمد بن محمد الجاسر، الذي كان له حضور بارز في الحياة العلمية والثقافية السعودية، وعبد القدوس الأنصاري، رئيس تحرير مجلة «المنهل»، التي مثلت آنذاك منبرا مهما من منابر الثقافة العربية في المملكة العربية السعودية.

وبخصوص حضوره لمهرجان الجنادرية بالمملكة العربية السعودية، خلال شهر فيفري 1992م، يذكر أبو القاسم سعد الله في يوميات « مسار قلم» أن زيارته جاءت تلبية لدعوة منظمي المهرجان الوطني للتراث والثقافة بالجنادرية، حيث حلّ بالمهرجان كضيف شرف، مستثمرا هذه الرحلة في الوقت نفسه للاطمئنان على أخيه المريض المقيم بمكة المكرمة، والسعي إلى توفير الدواء له، غير أن هذه الزيارة سرعان ما تجاوزت في دلالتها حدود المناسبة التي دُعي إليها، لتغدو تجربة علمية وثقافية ثرية، حيث أتاح له المهرجان خلالها أن يقترب من الحياة الفكرية والثقافية السعودية، وأن يلتقي نخبة من المثقفين والأدباء العرب، من أمثال إحسان عباس، وفاروق شوشة، ورجاء النقاش، وعلي عقلة عرسان وغيرهم، في لقاءات اتسمت بتبادل الآراء والأفكار حول قضايا الثقافة والمثقف العربي، والتحولات التي كانت تعصف بالمنطقة في أعقاب حرب الخليج، كما شكلت هذه الرحلة فرصة مواتية لسعد الله لتوسيع رصيده المعرفي، من خلال لقاء الباحثين والمثقفين السعوديين، والحصول على الكتب والدواوين الشعرية والإصدارات العلمية والثقافية، بما ينسجم مع منهجه في بناء المعرفة وتوثيقها عبر الجمع بين المصادر المكتوبة والشهادات الحية والعلاقات العلمية والشخصية، وقد كشفت الندوات الفكرية التي شارك فيها سعدالله، ولا سيما النقاشات التي دارت حول «المثقف والأزمة والقضايا الكبرى»، عن اهتمامه برصد مواقف المثقفين السعوديين والعرب من القضايا الفكرية والسياسية الكبرى، وفي مقدمتها العلاقة بين الإسلام والعلمانية، ومسألة القومية، ومسؤولية المثقف ودوره في أوقات الأزمات والتحولات، ولم يقف انفتاح سعد الله على المشهد السعودي عند حدود الفضاء الثقافي للجنادرية، بل امتد أيضا إلى زياراته لعدد من المؤسسات الثقافية والاجتماعية والعسكرية، ولقائه بعدد من المسؤولين والشخصيات السعودية، الأمر الذي أتاح له أن ينظر إلى المجتمع السعودي من زوايا متعددة، وأن يكوّن صورة أكثر قربا وعمقا عن مؤسساته وتحولاته وحركته الفكرية والثقافية.

وفي موقف ثقافي آخر لا يقل دلالة عن المواقف السابقة، يتجلى الحضور العلمي لأبو القاسم سعد الله في مشاركته ضمن اللجنة العلمية لمشروع «كتابة تاريخ الأمة العربية» بالمملكة العربية السعودية، خلال اجتماعها المنعقد في سبتمبر 2011م، بدعوة من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، حيث تكشف هذه المشاركة عن المكانة العلمية التي حظي بها سعد الله، وعن حضوره في المشاريع التي تتجاوز حدود التأريخ الوطني نحو بناء رؤية أوسع للتاريخ العربي المشترك؛ إذ انخرط إلى جانب نخبة من المؤرخين والباحثين السعوديين والعرب، في جهد علمي يروم قراءة التاريخ العربي في سياقه العام، واستجلاء عناصر الوحدة والتفاعل بين تجاربه وأقطاره المختلفة، ولم يقتصر اهتمامه خلال هذه المشاركة على الجانب الأكاديمي المجرد، بل امتد إلى التعرف على بعض معالم الذاكرة التاريخية والثقافية السعودية، وفي مقدمتها المتحف التاريخي للملك عبد العزيز، وما يختزنه من شواهد على التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها المملكة العربية السعودية.

وفي إطار الحضور الأكاديمي لأبو القاسم سعد الله بالمملكة العربية السعودية، تبرز تجربته كأستاذ زائر في جامعة الملك عبد العزيز سنة 1985م بوصفها إحدى أهم المحطات في مساره العلمي بالمملكة، غير أن تتبع هذه التجربة في كتاباته الشخصية والمنشورة لم يُفض في حدود ما اطلعت عليه، إلى العثور على مادة تؤرخ بصورة مباشرة لتجربته التدريسية هناك، سواء في مذكراته أو في منشوراته المتاحة، وإن كان من المرجح أنه تناولها في يومياته أو أوراقه الشخصية التي لم تصل إلينا، ويعزز هذا الاحتمال ما أورده سعد الله نفسه من أن يومياته الممتدة بين سنتي 1985 و1988م قد ضاعت منه في محفظة، وهي الفترة التي تتزامن تحديدا مع سنة عمله أستاذا زائرا بجامعة الملك عبد العزيز،

ومن ثم، فإن غياب شهادته المباشرة عن هذه التجربة لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دليلا على عدم توثيقها من قبله، وإنما قد يكون نتيجة لضياع جزء من مادته اليومية التي كان من شأنها أن تكشف تفاصيل هذه المرحلة، وانطباعاته عن الحياة الجامعية السعودية، وصلاته بأساتذة الجامعة وطلابها، وطبيعة إسهامه في النشاط الأكاديمي فيها، ولذلك تظل تجربة سعد الله في جامعة الملك عبد العزيز حلقة مهمة في حضوره العلمي السعودي، وإن كانت تفاصيلها الشخصية والتدريسية لا تزال بحاجة إلى التنقيب في أرشيف الجامعة، والصحف السعودية، والمصادر التي عاصرت تلك المرحلة.

وبعيدا عن مظاهر الحضور العلمي التي تجلّت في مشاركاته في الندوات والمؤتمرات والمهرجانات، وفي صلته بالمؤسسات الجامعية السعودية، سعيت إلى تتبّع أثر أبو القاسم سعد الله في إثراء المشهد الثقافي السعودي من خلال التكريمات الأدبية وإسهاماته في المجلات الثقافية، باعتبارها فضاء آخر من فضاءات التواصل الفكري والثقافي بين الجزائر والمملكة العربية السعودية، وقد كشفت المتابعة عن حضور لافت لسعد الله في عدد من مظاهر التكريم والاحتفاء، كان من أبرزها اختياره ضيف شرف خلال حفل توزيع جوائز الدولة التقديرية السعودية بالرياض سنة 1984م، وضيف شرف في مهرجان الثقافي بالجنادرية سنة 1992م.

وإلى جانب هذا الحضور الاحتفائي، برز إسهام سعد الله في عدد من المنابر الثقافية السعودية من خلال كتاباته المتعددة التي يصعب حصرها، وفي مقدمتها مجلة «العرب» التي كان يرأس تحريرها المؤرخ حمد الجاسر، وقد ربطت الرجلين علاقة علمية وثقافية وثيقة، فقد نشر سعد الله في المجلة مقالا بعنوان «رحلة أبي عصيدة البجائي من بجاية إلى الحجاز»، في عدد سبتمبر-أكتوبر 1990م، استعاد من خلاله إحدى حلقات التواصل التاريخي بين الجزائر والحجاز، كما نشر فيها أيضا في حلقات متتالية، مقالته الموسومة بـ«فذلكة تاريخية عن منطقة سوف بالجزائر»، مقدّما للقارئ السعودي جانبا من تاريخ الجزائر المحلي، ومُعرّفا بخصوصيات المنطقة الثقافية والتاريخية.

ولم يقتصر حضور سعد الله على مجلة «العرب»، بل امتد أيضا إلى مجلة «المنهل»، حيث نشر مقالا بعنوان «أحمد رضا حوحو من الجزائر إلى الحجاز» في جويلية 1993م، وهو نص ذو دلالة خاصة؛ لما يكشف عنه من اهتمامه برصد الصلات الثقافية والفكرية والتاريخية التي ربطت الجزائر بالحجاز، كما نشر فيها مقاله بعنوان «فرنسيان في الحجاز في القرن التاسع عشر» في أوت 1996م، مواصلا بذلك اهتمامه بتتبع مختلف أوجه الحضور الجزائري وصلاته بالمجال الحجازي.

أما مجلة «الفيصل»، فقد وثّقت بدورها حضور سعد الله من خلال عدد من الحوارات والمقالات، ومن ذلك الحوار الذي أجراه معه مراسل المجلة في الجزائر، عدنان عضيمة، بتاريخ 29 ديسمبر 1985م، حول موضوع الإصلاح الفكري في العالم العربي الإسلامي، وقد أشار سعد الله إلى أنه لا يعلم على وجه اليقين ما إذا كانت مجلة «الفيصل» قد نشرت هذا الحوار في أحد أعدادها، غير أنه ضمنه لاحقا في كتابه «قضايا شائكة»، كما نشرت له ذات المجلة بحثه الموسوم بـ «العامل الديني في الحركة الوطنية الجزائرية خلال العشرينيات» خلال شهر أوت 1988م.

وعلى الرغم من عرض كل المقالات التي كتبها سعد الله في صفحات المجلات السعودية ، إلا أن حضوره المتنوع فيها يكشف على أن علاقة أبو القاسم سعد الله بالمشهد الثقافي السعودي لم تكن رهينة المشاركة في المناسبات العلمية أو اللقاءات الرسمية، بل تجاوزت ذلك إلى الإسهام الفعلي في إنتاج الخطاب الثقافي المنشور، ومن خلال هذه الكتابات أتاح سعد الله للقارئ السعودي الاطلاع على جوانب من التاريخ والفكر والثقافة الجزائرية، وفي الوقت نفسه أسهم في استحضار الروابط التاريخية والثقافية التي جمعت الجزائر بالحجاز.

أ.د.رضوان بن الرتمي شافو كاتب اعلامي وباحث جزائري اكاديمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com