المقالات

‏(جئت إلي تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقك) 

‏✍🏻/نور الهدى الجمال

‏الطلاقُ انفصالٌ بين الزوجين، وليس انفصالًا بين الأطفال وأحد والديهم.

‏كثيرٌ من الآباء والأمهات يظنون أن نهاية العلاقة الزوجية تعني نهاية الأدوار الأسرية، فيُعاقَب الأبناء على ذنبٍ لم يقترفوه، ويُدفعون ثمن خلافاتٍ لم يكونوا طرفًا فيها.

 

‏-أيتها الأم، لا تجعلي ألمك من الزوج سببًا في حرمان الأبناء من أبيهم، ولا تجعليهم ساحةً لتصفية الحسابات. فالأبناء لا يحتاجون إلى أن يسمعوا من المخطئ، بل يحتاجون إلى أن يشعروا بأنهم ما زالوا محبوبين من الطرفين

 

‏وأيها الأب، لا تظن أن النفقة وحدها تكفي، وأن المال يمكن أن يحل محل حضورك. فالأطفال لا يحتاجون إلى من ينفق عليهم فقط، بل يحتاجون إلى من يسمعهم، ويحتويهم، ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم. يحتاجون إلى أبٍ حاضرٍ في قلوبهم قبل أن يكون حاضرًا في أوراق النفقة.

 

‏وإن مرّ عليك يومٌ صعبت فيه رؤيتهم، فلا يصعب عليك الاتصال بهم. وفي عصرٍ أصبحت فيه مكالمات الفيديو متاحة على كل جهاز، لم يعد هناك عذرٌ حقيقي للغياب أو الانقطاع.

‏فالصوت والصورة اليوم أقرب من أي وقتٍ مضى، والمسافة لم تعد حاجزًا كما كانت، بل أحيانًا يصبح الغياب قرارًا لا ظرفًا.

 

‏كلمةٌ منك قد تصنع في نفوسهم طمأنينةً لا تشتريها الأموال، ونظرةٌ عبر الشاشة قد تعيد لهم شيئًا من الأمان الذي يفتقدونه في غيابك..

 

‏إن أخطر ما يفعله الوالدان بعد الطلاق ليس الانفصال نفسه، بل تحويل الأبناء إلى ضحايا لذلك الانفصال؛ بزرع الكراهية في قلوبهم، أو حرمانهم من أحد والديهم، أو إشعارهم أنهم مجبرون على اختيار طرفٍ ضد طرف.

 

‏تذكروا أن الطفل لا يفهم تفاصيل الخلافات، لكنه يفهم الغياب، ويحفظ الألم، ويحمل آثار الجراح سنواتٍ طويلة. وقد يكبر وهو يفتقد حضنًا كان من حقه، أو كلمةً كان ينتظرها، أو اهتمامًا كان يحتاجه.

 

‏وتخيّلوا معي ..

‏أن بعض الأطفال قد لا يملكون صورة واضحة عن آبائهم بسبب طول الغياب، حتى إن بعضهم قد ينظر إليه وكأنه غائب عن تفاصيل حياته اليومية.

 

‏وتخيّلوا مشهد طفلٍ يجلس بين أصدقائه في المدرسة، يتحدثون بحماس عن آبائهم؛ هذا يخبرهم كيف احتفل معه والده، وذاك يتحدث عن هدية أحضرها له أبوه، وآخر يروي كيف أوصله والده إلى المدرسة او اخذه معه في مناسبة زواج ليعرفه علي أصحابه أو خرج معه في نزهة نهاية الأسبوع.

 

‏فكيف يكون وقع هذا الحديث على قلب طفلٍ حُرم من تلك التفاصيل؟

‏وكيف تشعر طفلةٌ تسمع صديقاتها يتحدثن عن آبائهن وهي لا تجد ما تقوله إلا الصمت؟

 

‏وليس المقصود البنات دون الأولاد، فكلاهما يتألم، لكن قد تظهر عند بعض البنات حساسية أعلى تجاه الغياب العاطفي، مما يجعل الأثر أعمق نفسيًا في بعض الحالات .

 

‏إن الطفل لا يقيس الحب بحجم النفقة، بل بعدد اللحظات التي شعر فيها أن والده حاضرٌ في حياته. فكم من أبٍ يستطيع أن يرى أبناءه ساعةً واحدة كل يوم، لكنه لا يراهم لأشهر! وكم من أبٍ يملك فرصة الاتصال، لكنه يختار الصمت وكأن الأطفال توقفوا عن الاحتياج إليه بمجرد انتهاء الزواج.

 

‏وللأسف، فإن اللاوعي لا يرحم الواعي، فالجراح التي تُترك دون احتواء لا تختفي، بل تتحول مع الوقت إلى أثرٍ عاطفي وسلوكي يظهر في مراحل لاحقة من الحياة.

 

‏قد ينعكس ذلك عند بعض الأبناء في صور مختلفة:

‏فبعض الفتيات، عند غياب الاحتواء الأبوي، قد يبحثن دون وعي عن صورة الأب في العلاقات، فينجذبن أحيانًا إلى رجال أكبر سنًا أو أكثر احتواء ليس حباً

‏بل كتعويض عاطفي غير واعٍ لشعور مفقود.

 

‏وفي بعض الحالات الأخرى قد يظهر ردّ فعل مضطرب أو مؤلم تجاه الذات أو الحياة، كنوع من التعبير عن ألم داخلي لم يجد لغة صحية للتفريغ.

 

‏وكذلك بعض الأبناء الذكور قد تتكون لديهم مشاعر غضب أو جفاء تجاه الأب، فتضعف العلاقة معه حتى في مراحل احتياجه إليهم، وكأن الجرح القديم يتحول إلى مسافة عاطفية.

 

‏وقد ينشأ لدى بعضهم خوف من تكرار التجربة، أو رفض لفكرة الأسرة أصلًا، خصوصًا إذا ارتبطت في ذهنه بالألم أو الغياب.

 

‏وكلما كان الطفل يسمع عبارات مقارنة من الام اذ اخطاء الطفل فتقول له

‏مثلا : “أنت مثل أبيك ”

‏دون احتواء نفسي، قد يشعر أنه محكوم بصورة لم يختَرها، مما يزيد التوتر الداخلي لديه.

 

‏إن الانفصال بين الزوجين لا ينهي الأبوة ولا الأمومة، لكنه قد يترك أثرًا عميقًا إذا لم يُحتوَ بشكل صحيح.

 

‏فالأبناء لا ينفصلون عن والديهم بالطلاق، بل قد يزداد احتياجهم لهم بعده، وما بين الغياب والحضور تُبنى ملامحهم النفسية.

‏فالطلاق ينهي عقد الزواج، لكنه لا ينهي مسؤولية الاحتواء، ولا يسقط حق الأبناء في الحب، ولا يبرر الغياب.

‏✍🏻/نور الهدى الجمال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com