المقالات

حقيقة التعلق والخوف من الفقد سجن الحياة هو التعلق.

بقلم 🖊️ نور الهدي الجمال

ستعتقدُ يومًا أنَّ بعضَ الأشخاصِ في حياتك هم الشمسُ والقمر

وأنَّه لا ليلَ ولا نهارَ بدونهم

وأنَّ غيابهم عنك انهيارٌ كامل لا يُحتمل

فتبني حولهم عالمك كلَّه

وتربطُ راحتك بوجودهم

واطمئنانك بقربهم

حتى تصبح فكرةُ رحيلهم أشبهَ بكارثةٍ تهدّد روحك من الداخل.

ولهذا…تتقبّل ما لا ينبغي تقبّله

وتسامح فيما كان يجب أن يقف عنده قلبك طويلًا

وتُرهق نفسك في تبرير تصرفاتهم

وتمنحهم من الأعذار ما لا تمنحه حتى لنفسك.

 

لا لأنهم دائمًا يستحقون

بل لأنك تخشى الفقد أكثر من خوفك من الأذى.

فتصمتُ عن الكلمات التي جرحتك،

وتتجاوز عن المواقف التي كسرتك،

وتُقنع نفسك أنَّ الوفاء الحقيقي هو الاحتمال

وأنَّ الحبَّ يعني الصبر مهما بلغ الاستنزاف

حتى تتحول العلاقة شيئًا فشيئًا

من مساحةِ راحة

إلى ساحةِ إنهاكٍ نفسيٍّ دائم.

 

ومع الوقت…

لا تعود تعرف:

هل أنت متمسّكٌ بهم حبًّا؟

أم خوفًا من الفراغ بعدهم؟

هل وجودهم يمنحك السلام فعلًا؟

أم أنَّك فقط اعتدتَ القيد حتى ظننته جزءًا منك؟

 

فبعضُ العلاقات لا تؤذينا لأنَّ أصحابها سيئون فقط

بل لأننا نُفرط في التعلّق بهم

حتى نفقد القدرة على رؤية حقيقتهم كما هي.

فالاقترابُ الشديد أحيانًا يُعمي

والقلبُ حين يحبّ

قد يختار الوهم بدل الحقيقة.

 

ثم يشاءُ الله أن يبتعدوا

رغم كلِّ محاولاتك للحفاظ عليهم

ورغم خوفك الطويل من خسارتهم

فتدخلُ مرحلةً تظنّها النهاية…

بينما هي في الحقيقة بدايةُ نجاتك.

 

في البداية يؤلمك الغياب

لأنك لا تفقد أشخاصًا فقط

بل تفقد صورةً كاملة كنتَ تبني عليها حياتك.

تفقد العادة

والتعلّق

والوهم الذي أقنعك أنَّك لا تستطيع العيش بدونهم.

 

لكن مع الوقت

ومع أول هدوءٍ حقيقيٍّ تشعر به بعد رحيلهم

تبدأ الصورة بالاتضاح.

 

فتكتشفُ أنَّك كنتَ تبالغ في تقديس أشخاصٍ عاديين

وأنَّك منحتهم من روحك أكثر مما يستحقون

وأنَّك كنتَ تحمل فوق قلبك حملًا ثقيلًا

حتى ظننتَ التعبَ جزءًا طبيعيًّا من الحب.

 

وهنا تحدث الصدمة الكبرى:

حين ترى أنَّ الحياة بدونهم ليست كما توقعت.

لا خراب فيها

ولا موت

ولا ذلك الفراغ المرعب الذي كنت تخشاه.

 

بل قد تكون أهدأ

وأصفى

وأرحم على روحك.

 

فتنام دون قلق

وتضحك دون تكلّف

وتشعر أنَّ قلبك عاد يتنفّس بعد اختناقٍ طويل

وكأنَّك كنتَ تعيش داخل غرفةٍ ضيّقة

ثم فُتح لك الباب فجأة.

 

وحين تتعافى أكثر

ستدرك حقيقةً مؤلمة:

 

أنَّ بعض الأشخاص لم يكونوا نعمة كما ظننت

بل درسًا.

درسًا قاسيًا علّمك كيف تميّز بين الحبّ والتعلّق

بين الوفاء وإلغاء النفس

بين الصبر الكريم

والاستنزاف الذي يُهين روح الإنسان.

 

وستفهم أنَّ المشكلة لم تكن دائمًا في وجودهم فقط

بل في ذلك التعلّق الذي جعلك تخاف خسارة من كان يؤذيك

وتتمسّك بما كان يُتعبك

وتحارب لأجل أشياء

كان رحيلها المبكر رحمةً بك.

 

فأثقلُ السجون ليست تلك التي تُغلقها الجدران

بل التي يبنيها الإنسان داخل قلبه،

ثم يبقى فيها باسم الحب

والوفاء

والخوف من الوحدة.

 

ولهذا…

فإنَّ بعضَ أنواع الفقد

ليست خسارة كما نظن

بل إنقاذٌ متأخر

ورحمةٌ تأتي على هيئة غياب

وإجابةُ دعاءٍ لم نفهم حكمته إلا بعد النجاة.

 

فليس كلُّ من رحل عنك كان عقوبة،

أحيانًا يكون رحيله

أعظمَ حمايةٍ منحها الله لقلبك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com