
حين يعجز شخص كفيف عن دخول مبنى بمفرده، أو استخدام تطبيق إلكتروني، أو قراءة جهاز للخدمة الذاتية، فإن المشكلة ليست في فقدانه للبصر، بل في البيئة التي لم تُصمم لتحتضن الجميع ، هذه هي الفكرة التي يقوم عليها مفهوم الوصول الشامل؛ فلسفة إنسانية وتنموية تؤكد أن الأصل في الخدمات والمرافق والمنتجات أن تكون متاحة لكل فرد، بغض النظر عن قدراته، دون الحاجة إلى حلول استثنائية أو اعتماد دائم على الآخرين ، ولسنوات طويلة، ارتبط الحديث عن الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية بالمساعدات والرعاية، بينما تطورت النظرة العالمية لتصبح أكثر نضجًا، فانتقل الاهتمام من سؤال: كيف نساعد الكفيف؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف نزيل الحواجز التي تمنعه من ممارسة حياته باستقلالية؟
فالفرق بين السؤالين كبير؛ الأول يمنح خدمة، أما الثاني فيمنح حقًا ، إن الكفيف لا يحتاج إلى من يمسك بيده في كل خطوة، بقدر ما يحتاج إلى مدينة تراعي احتياجاته منذ لحظة التخطيط ، يحتاج إلى أرصفة مزودة بالمسارات ، وإشارات مرورية ناطقة، ولوحات إرشادية بطريقة برايل، ووسائل نقل يمكن استخدامها باستقلالية، وأجهزة خدمة ذاتية تتحدث، ومواقع إلكترونية وتطبيقات صُممت وفق معايير الإتاحة الرقمية، ليتمكن من إنجاز شؤونه كما يفعل أي فرد في المجتمع ، واليوم، ومع التحول الرقمي الذي تعيشه المملكة، لم تعد الإتاحة مرتبطة بالمباني فقط، بل أصبحت تبدأ من شاشة الهاتف ،فكم من تطبيق حكومي أو مصرفي أو صحي لا يزال غير متوافق مع قارئات الشاشة؟ وكم من نموذج إلكتروني أو منصة تعليمية ما زالت تُقصي فئة كاملة بسبب تفاصيل تقنية كان يمكن تلافيها منذ البداية
إن التحول الرقمي الحقيقي لا يُقاس بعدد الخدمات الإلكترونية، وإنما بقدرة الجميع على استخدامها دون استثناء ، ولعل ما يبعث على التفاؤل أن المملكة العربية السعودية تمضي بخطوات متسارعة نحو بناء مجتمع أكثر شمولًا، انسجامًا مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي جعلت جودة الحياة وتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة جزءًا من مشروعها الوطني ، وقد شهدنا مبادرات نوعية، وتطورًا في التشريعات، واهتمامًا متزايدًا بالإتاحة في العديد من القطاعات، إلا أن الطريق لا يزال بحاجة إلى مزيد من التكامل بين الجهات الحكومية، والقطاع الخاص، والقطاع غير الربحي، لترجمة هذه الجهود إلى واقع يلمسه المستفيد في تفاصيل حياته اليومية ، ولا يقل الوعي المجتمعي أهمية عن التشريعات والأنظمة. فما زال البعض يتعامل مع الكفيف باعتباره عاجزًا، بينما الحقيقة أن ما يعوقه غالبًا هو البيئة غير المهيأة، لا الإعاقة ذاتها ، فحين تتوافر الإتاحة، تتراجع الحاجة إلى المساعدة، ويبرز الإنسان بقدراته وكفاءته وإسهامه في التنمية ، إن الوصول الشامل ليس مشروعًا هندسيًا، ولا بندًا تنظيميًا، بل هو انعكاس لمدى احترام المجتمع لكرامة الإنسان ، وهو استثمار في مجتمع أكثر إنتاجية وعدالة، لأن كل حاجز يُزال يفتح بابًا جديدًا للتعليم، والعمل، والثقافة، والمشاركة، والاستقلالية ،وفي النهاية، لا يحتاج الكفيف إلى طريق مختلف، بل إلى طريق يستطيع الجميع استخدامه ، ولا يبحث عن معاملة استثنائية، بل عن فرصة متكافئة. فالمجتمعات المتقدمة لا تُقاس بما تمتلكه من تقنيات حديثة، وإنما بقدرتها على أن تجعل تلك التقنيات والخدمات والمدن في متناول الجميع.
فالعدالة الحقيقية لا تتحقق عندما نبني مدنًا جميلة، بل عندما نبني مدنًا لا يُستثنى منها أحد.




