المقالات

للحنين ذاكرة… وللكرامة قرار

✍🏻/ نور الهدى الجمَّال 

نعم يا صديقي، ما زلت أتذكّر…ما زال الحنين ينساب إليّ من شقوق الغياب، ويأخذني من يدي إلى نقطة البداية؛ إلى تلك اللحظات التي كانت تلمع كنجومٍ قريبة، ولم أكن أعلم أن أفولها سيترك في القلب كل هذا الخزي والوجع.

 

نعم يا صديقي، يهبّ الحنين في صدري بغتةً، كريحٍ تعرف طريقها إلى نافذةٍ قديمة، فأعود إلى المحادثات والأماكن والصور والكلمات التي ما زالت تحتفظ بحرارة الأصابع التي كتبتها. أعيش الوقت نفسه والشعور نفسه، وأبتسم لبعض العبارات كأنها كُتبت للتو، وكأن المسافة بين الأمس واليوم لم تكن سوى وهمٍ عابر. ولا أجلد نفسي حين أستعيدها، ولا أحاسب قلبي على وفائه؛ فليس كل ما نسترجعه رغبةً في العودة. أحيانًا نعود إلى النسخة التي أحببناها من أنفسنا، أو لأن شيئًا في أعماقنا لم يتعلّم بعد كيف يصدّق أن ما كان يومًا جزءًا من حياتنا صار مجرّد ذكرى.

 

نعم يا صديقي، أعلم أنّني حين أصل إلى آخر رسالة في المحادثة، تنقضّ عليّ صدمة النهاية بكل ثقلها، كليلٍ طويلٍ يهبط دفعةً واحدة على الروح. فأعيشها بالشعور نفسه، وأتذكّر كيف كان مرّها يعصر قلبي، وكيف كانت الكلمات تقف عاجزةً على عتبة الألم؛ لا تعرف كيف تصف ما انكسر في داخلي، ولا كيف تمنح الوجع اسمًا يليق به.

 

نعم يا صديقي، أقوى على الفراق، لكنني لا أقوى دائمًا على الذكرى؛ فالفراق بابٌ أُغلق وانتهى، أمّا الذكرى فهي نافذةٌ لا تكفّ عن الانفتاح ليلًا. تعيد إلينا الأشياء بألوانها وروائحها وارتجافها الأول، حتى يُخيّل إلينا، للحظةٍ خاطفة، أنّنا لم نتجاوز شيئًا، وأنّ كل ما ظننّاه ماضيًا ما زال جالسًا في مكانه، ينتظر التفاتتنا.

 

نعم يا صديقي، حين أهجر لا أستطيع الرجوع؛ لا لأن الحنين مات، ولا لأن المشاعر ذبلت، بل لأن بعض النهايات تغيّر فينا شيئًا لا تعيده البدايات. قد يشتاق القلب إلى من لم يعد يستطيع أن يأمنه، وقد يحنّ إلى بيتٍ كان دافئًا ذات يوم، ثم اكتشف أنّ جدرانه كانت تخبّئ في شقوقها بردًا لا يُحتمل.

 

أنت يا صديقي، أكثر من يعرف حكايتي؛ تعرف كم مرة قلت: هذه نهايتي، وكم مرة انحنيت تحت ثقل الألم، وسقطت كغصنٍ كسرته الريح، وظننت أنّني لن أستطيع النهوض من جديد. وتعرف كيف كنت ألتجئ إلى عزلتي، وأغلق أبوابي على قلبي، وأرمّم ما تصدّع فيه بصمت، وأجمع شتات نفسي بعيدًا عن أعين الآخرين، كمن يجمع زجاج روحه بيدين داميتين.

 

وتعرف أيضًا أنّني، رغم كل ما مررت به، ما زلت أملك من الحياة ما يدعوني إلى المضي، ومن القوة ما يعينني على النهوض. ما زالت في العالم قلوبٌ تتمنّى وصلي، وأبوابٌ لم تُغلق، وطرقاتٌ لم أمشِ فيها بعد، وأزهارٌ تنتظر أن أعود إليها، وأن أضع يدي على عطرها كمن يستعيد شيئًا من نفسه.

 

فلا تظن يا صديقي أنّ عودتي إلى الذكريات تعني أنّني ما زلت أسيرة الماضي؛ أنا فقط أتذكّر الطريق الذي جئت منه، وأتأمّل الحجارة التي جرحت قدمي، وأعرف كم مرة سقطت فيه، وكم مرة نهضت وحدي، حتى وصلت إلى هذه النسخة مني؛ النسخة التي لا تزال تحمل الندوب، لكنها لم تعد تخجل منها.

 

ومع ذلك، لا يزال سرب الأحلام يحلّق في سماء النفس من وقتٍ إلى آخر؛ يحملني على أجنحته إلى أماكن ظننت أنّني غادرتها إلى الأبد، ويجمعني بوجوهٍ لم يبقَ بيني وبينها سوى ما تحفظه الذاكرة. فأعيش معها لحظاتٍ لا أملكها في يقظتي، وأسمع ضحكاتٍ غابت عن العالم وبقي صداها في داخلي، ثم أعود إلى واقعي مثقلًا بشعورٍ لا يعرف اللسان كيف يسمّيه: أهو شوقٌ أم حزن، أم بقايا حبٍّ تعلّم أن يعيش بلا صاحب؟

 

وهل تعلم يا صديقي؟ لم أعد أقاوم الحنين كما كنت أفعل، ولم أعد أعدّ التذكّر ضعفًا، ولا ابتسامتي لبعض الذكريات خيانةً لقراري بالرحيل. لقد تعلّمت أنّ تجاوز الأشياء لا يعني أن نفقد القدرة على الشعور بها، وأنّ الشفاء لا يعني أن نمحو ما حدث، بل أن نتذكّره دون أن نعود إليه، وأن نمرّ بجانب أسمائه دون أن نفتح لها أبوابنا.

 

فبعض الحكايات تنتهي في الواقع، لكنها تحتاج أعوامًا كي تنتهي في أعماقنا. وبعض الأشخاص نغلق أبوابنا دونهم، بينما تظلّ الذكريات تعرف الطريق إلينا، وتطرق أبواب القلب في أكثر الساعات هدوءًا؛ حين ينام العالم، وتستيقظ التفاصيل الصغيرة، وتجلس إلى جوارنا كرفاقٍ لا نملك طردهم.

 

نعم يا صديقي، ما زلت أتذكّر… لكنني، رغم كل هذا الحنين، لن أعود إلى مكانٍ اضطررت يومًا إلى مغادرته كي أنجو بنفسي. لن أعود إلى النار لأتأكّد من أنّها ما زالت تحرق، ولا إلى الجرح لأختبر إن كان قد تعلّم الرحمة.

 

فأنا لا أنكر أنّني أحببت، ولا أخجل من أنّني اشتقت، ولا ألوم قلبي لأنّه احتفظ بشيءٍ من الأمس؛ فالقلب ليس صندوقًا نلقي فيه ما نشاء ثم نغلقه. كل ما في الأمر أنّني أدركت أخيرًا أنّ ليس كل ما نشتاق إليه يصلح أن نعود إليه، وليس كل ما افتقدناه جديرًا بأن نبقيه.

 

وهكذا أمضي يا صديقي؛ أحمل من الماضي ما علّمني، وأترك فيه ما أوجعني، وأمنح ذاكرتي حق الحنين، لكنني لا أمنحها حق إعادتي إلى الوجع. أمضي كمن يحمل مصباحًا صغيرًا في طريقٍ طويل؛ لا ينكر العتمة، لكنه لا يسمح لها بأن تقنعه بأن الفجر لن يأتي.

 

قد أحنّ إلى البداية، وأبتسم للتفاصيل، وأشتاق إلى شعورٍ لن يتكرّر بالطريقة نفسها، لكنني أعرف الآن أنّ بعض الأبواب، وإن ظلّ القلب يلتفت إليها، لا ينبغي أن تُفتح من جديد. فبعض الذكريات، مهما ظلّ صداها عالقًا في القلب، تكون قد تصدّعت إلى الحد الذي يجعل الرجوع إليها أشبه بمحاولة استعادة زمنٍ انقضى، لا استعادة حياةٍ يمكن أن تُعاش.

 

لكنني أبشّرك يا صديقي: صرت كالفراشة، أخرج من شرنقة الألم في كل مرةٍ بأجنحةٍ أكثر اتساعًا. أعيش على عبق الورد، وأتنقّل بين الزهور، من نجاحٍ إلى أفضل، ومن تطوّرٍ إلى ارتقاء. قد تهزمني الذكرى لحظات، وقد تبعثرني الصدمة بقوتها، لكن ذاتي سرعان ما تجمع شتاتها، وتنقذني من أوهامي، وتعيدني إلى الطريق الذي اخترته لنفسي.

 

لقد احترقت معه مرارًا، حتى انصهرت في نار التجربة، ثم تشكّلت من جديد؛ أكثر وعيًا، وأشدّ صلابة، وأصدق معرفةً بنفسي وبالآخرين. لم أخرج من الحكاية كما دخلتها؛ فقد أخذت مني أشياء كثيرة، لكنها منحتني عينين تريان ما وراء الوجوه، وقلبًا يعرف الفرق بين من يضيء حياته، ومن يترك فيها رمادًا لا ينطفئ.

 

فشكرًا للمواقف؛ إنّها تصوغ المعادن على مهل، وتكشف لنا من يستحق أن يبقى، ومن لم يكن سوى بصمة عارٍ في سجلّ الذاكرة. وشكرًا للرحيل أيضًا؛ لأنّه، وإن جاء مثقلًا بالدموع، علّمني أنّ بعض الخسارات ليست نهاية الطريق، بل أول خطوةٍ نحو نفسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com