طبيب روماتيزم : تحليل عالمي لبيانات مليوني شخص يربط الإفراط في اللحوم المصنعة بزيادة مخاطر السكري .. والاعتدال ضرورة وقائية

أكد طبيب الروماتيزم وهشاشة العظام الدكتور ضياء حسين، أن اللحوم الحمراء تعد من الأغذية الغنية بالبروتين عالي الجودة والحديد والزنك وفيتامين B12، إلا أن الإفراط في استهلاكها — وبخاصة المصنّع منها — قد يرتبط بزيادة مخاطر عدد من الأمراض المزمنة، الأمر الذي دفع العديد من الهيئات الصحية والباحثين حول العالم إلى التوصية بالاعتدال في تناولها ضمن نظام غذائي متوازن.
• أضخم تحليل عالمي حتى الآن
وأوضح الدكتور ضياء أن الدراسات العلمية الحديثة لم تدعُ إلى الامتناع التام عن اللحوم الحمراء، لكنها شددت على أهمية الحد من الإفراط فيها ، فقد نشرت مجلة The Lancet Diabetes & Endocrinology في عام 2024 أضخم تحليل من نوعه حتى الآن، أجراه باحثون من جامعة كامبريدج ضمن مشروع InterConnect العالمي، وشمل بيانات نحو مليون وتسعمئة وسبعين ألف شخص من 31 مجموعة بحثية موزعة على 20 دولة، من بينها دول من إقليم شرق المتوسط، وسُجّلت خلاله أكثر من 107 آلاف حالة إصابة جديدة بالسكري من النوع الثاني ، وأظهرت النتائج أن تناول 50 غراماً يومياً من اللحوم المصنعة — أي ما يعادل شريحتين من اللانشون — ارتبط بارتفاع خطر الإصابة بالسكري بنحو 15% خلال السنوات العشر التالية، بينما ارتبط تناول 100 غرام يومياً من اللحوم الحمراء غير المصنعة — أي ما يعادل شريحة ستيك صغيرة — بارتفاع الخطر بنحو 10%.
وبيّن أن ما يميز هذا التحليل أنه لم يعتمد على تجميع نتائج منشورة سابقاً، بل على البيانات الفردية للمشاركين في كل دراسة، ما أتاح توحيد طريقة القياس وضبط عوامل مؤثرة مثل العمر ومؤشر كتلة الجسم ونمط الحياة والسعرات الحرارية.
• اللحوم المصنعة في دائرة الضوء
وأشار الدكتور ضياء إلى أن المخاوف لا تقتصر على السكري، إذ نشرت مجلة Nature Medicine في عام 2025 دراسة أجراها معهد القياسات والتقييم الصحي بجامعة واشنطن، اعتمدت منهجية “عبء الإثبات” (Burden of Proof) التي تُعدّ من أكثر الطرق تحفّظاً في تقدير المخاطر، بحيث تميل نتائجها إلى الحد الأدنى لا الأقصى ، وخلصت — مقارنةً بعدم الاستهلاك — إلى أن تناول اللحوم المصنعة ارتبط بزيادة لا تقل عن 11% في خطر السكري من النوع الثاني، وبزيادة نحو 7% في خطر سرطان القولون والمستقيم ، موضحاً أن هذا يفسّر سبب تفريق التصنيفات الدولية بين النوعين، حيث تصنّف الوكالة الدولية لبحوث السرطان اللحوم المصنعة ضمن المجموعة الأولى من حيث قوة الأدلة على ارتباطها بالسرطان، بينما تُدرج اللحوم الحمراء غير المصنعة في المجموعة 2A، أي “المحتمل” ارتباطها.
• الإنصاف العلمي: ليست كل الأدلة بالقوة نفسها
وأكد الدكتور ضياء أن الإنصاف العلمي يقتضي الإشارة إلى أن الأدلة ليست بالدرجة ذاتها لكل أنواع اللحوم، إذ إن دراسة سابقة نُشرت في المجلة ذاتها وبالمنهجية نفسها وجدت أن الأدلة على ارتباط اللحوم الحمراء غير المصنعة بسرطان القولون والسكري وأمراض القلب الإقفارية أدلة ضعيفة، ولم تجد ارتباطاً بالجلطات الدماغية.
وقال إن التركيز الأساسي في التوصيات الصحية ينصبّ على تقليل اللحوم المصنعة تحديداً، مع الاعتدال في غيرها، وإن تصوير اللحوم الحمراء على أنها “خطر مطلق” لا يقل خطأً عن إنكار المخاطر المرتبطة بالإفراط فيها.
• ماذا عن الحديد في الدماغ؟
وفيما يتعلق بما يُثار حول زيادة مستويات الحديد في الدماغ، أوضح الدكتور ضياء أن بعض الدراسات الحديثة تبحث العلاقة بين اضطرابات توازن الحديد في الجسم وبعض التغيرات العصبية المرتبطة بالتقدم في العمر، إلا أن الأدلة الحالية لا تسمح بالجزم بأن تناول اللحوم الحمراء وحده يؤدي مباشرة إلى تراكم الحديد في الدماغ لدى الأشخاص الأصحاء، ولذلك ينبغي التعامل مع هذه الفرضية بحذر علمي حتى تتوافر أدلة أقوى.
• النقرس “الأقرب إلى تخصص الروماتيزم”
وأكد الدكتور ضياء أن من أوضح المشكلات المرتبطة بالإفراط في اللحوم الحمراء ارتفاع خطر الإصابة بالنقرس، بسبب احتوائها على نسب مرتفعة من مركبات البيورين التي تتحول داخل الجسم إلى حمض اليوريك ، وعندما ترتفع مستوياته في الدم تتشكل بلورات قد تترسب في المفاصل مسببة نوبات النقرس المؤلمة، خاصة لدى من لديهم استعداد وراثي أو عوامل خطورة أخرى ، مضيفاً أن الأحشاء مثل الكبد والكلاوي تحتوي على بيورين أعلى بكثير من لحوم العضلات، وأن الكحول والمشروبات المحلاة بالفركتوز تُعدّ عوامل خطورة مستقلة لا تقل أهمية عن اللحوم.
ونبّه إلى نقطة يغفل عنها كثير من المرضى، وهي أن تعديل النظام الغذائي وحده يخفض حمض اليوريك بمقدار محدود، ولا يُغني عن العلاج الدوائي الخافض لليوريك لدى المرضى المشخَّصين، مشدداً على أن الحمية عنصر مساعد وليست بديلاً عن الدواء.
• تحذير مهم للنساء والمراهقات
ولفت الدكتور ضياء إلى أن رسالة تقليل اللحوم الحمراء يجب ألا تُطبَّق بشكل مطلق على الجميع، إذ إن فقر الدم بعوز الحديد منتشر بين النساء في سن الإنجاب والمراهقات في منطقتنا، وحديد اللحوم الحمراء من أفضل مصادر الحديد امتصاصاً في الجسم. ونصح هذه الفئات بمراجعة الطبيب قبل تقليل استهلاكها، والاعتماد على الفحوصات المخبرية لا على التوصيات العامة.
• نصائح عملية
ولتفادي المشكلات الصحية المرتبطة باللحوم الحمراء، ينصح الدكتور ضياء بما يلي : الالتزام بالكميات المعتدلة، بحيث لا تتجاوز نحو 350 إلى 500 غرام من اللحوم الحمراء المطبوخة أسبوعياً، وفق توصيات الصندوق العالمي لأبحاث السرطان ، تقليل اللحوم المصنعة مثل النقانق والمرتديلا واللحوم المدخنة إلى أدنى حد ممكن ، اختيار القطع قليلة الدهون وإزالة الدهون الظاهرة قبل الطهي ، والانتباه إلى طريقة الطهي، فالشيّ المباشر على اللهب ودرجات الحرارة العالية جداً ينتج مركبات ضارة، ويمكن تقليلها بالسلق أو الطهي البطيء، وتتبيل اللحم بالليمون والأعشاب قبل الشيّ، وتجنب أجزاء اللحم المتفحمة ، وتنويع مصادر البروتين بالأسماك والدواجن والبقوليات والمكسرات، وعدم الاعتماد على اللحوم الحمراء بشكل يومي ، والإكثار من الخضراوات والأطعمة الغنية بالألياف عند تناول اللحوم، وشرب كميات كافية من الماء للمساعدة في تقليل خطر ارتفاع حمض اليوريك ، والحرص على ممارسة النشاط البدني والمحافظة على وزن صحي، وإجراء الفحوصات الدورية لمستويات السكر والكوليسترول وحمض اليوريك.
• الخلاصة
واختتم الدكتور ضياء تصريحه بالتأكيد على أن اللحوم الحمراء يمكن أن تكون جزءاً من نظام غذائي صحي عند تناولها باعتدال، وأن المشكلة الحقيقية ليست في اللحم بحد ذاته بقدر ما هي في الكمية المفرطة وفي التصنيع وطرق الطهي، وهو ما تؤكده مجموعة متزايدة من الدراسات العالمية خلال السنوات الأخيرة.




