المقالات

بيوتٌ شاسعة.. وحكايا ضيقة: هل عزلنا “الإسمنت” عن بعضنا؟

بقلم الكاتبة: موضي المرواني

بيوتٌ شاسعة.. وحكايا ضيقة: هل عزلنا “الإسمنت” عن بعضنا؟

تخيلي لو أن جدران بيوتنا اليوم تنطق، هل ستشكو ضيق المساحة أم ستشكو وحشة الصمت؟ لقد انهمكنا في هذا العصر بـ “عمارة البيوت” حتى نسينا “عمارة النفوس”، وانصرفنا إلى ترميم الرخام وتلميع الواجهات، بينما تصدعت في الداخل جسور الحوار التي كانت تجمعنا. قديماً، وفي بيوت المدينة البسيطة، كانت الحجرات ضيقة لكن الصدور كانت تتسع للجميع، كان البيت “يلمنا” بالمعنى الحرفي للكلمة، نسمع أنفاس بعضنا، ونتشارك الحكاية قبل لقمة العيش، أما اليوم فقد تحولت منازلنا الفارهة إلى ما يشبه “الأجنحة الفندقية” المستقلة، حيث يسكن كل فرد في مملكته الخاصة خلف أبواب مغلقة وعوازل للصوت، يجمعه بالآخرين لقب العائلة، وتفرقه عنهم عوالم افتراضية يغرق فيها عبر شاشة جواله. إنها مفارقة موجعة أن يكون البيت مزدحماً بالأجساد لكنه مهجور من الأرواح، نكتب لمن هم في أصقاع الأرض ونبخل بكلمة “كيف حالك” على من يجلس في الغرفة المجاورة. لقد بالغنا في هندسة “العزلة” تحت مسمى الخصوصية، حتى فقدنا تلك “الفوضى الدافئة” التي كانت تصنع روح البيت، وأصبحنا نهتم بأن يبدو منزلنا مثالياً في منصات التواصل أكثر من اهتمامنا بأن يكون سكناً حقيقياً تهنأ فيه القلوب. إن العمارة الحقيقية لا تقاس بالأمتار المربعة ولا بفخامة الأثاث، بل بمقدار الدفء الذي يتسلل من خلف الأبواب، وبقدرة هذا المكان على أن يظل “بيتاً” لا مجرد “عنوان”، فما نفع الحوائط المزينة بالذهب إذا كانت القلوب التي خلفها باردة، وما جدوى اتساع المجالس إذا كانت الحكايات فيها قد جفّت؟ إننا اليوم بحاجة إلى ثورة “ترميم” داخلية، نعيد فيها بناء “الإنسان” داخل المكان، قبل أن تتحول بيوتنا إلى مجرد تحف معمارية صامتة، فخمة في مظهرها، لكنها خالية من نبض الحياة..

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com