المقالات

مسافات القلوب.. هل هدمت “الفجوة” بيوتنا؟

في كل بيت اليوم، تدور معركة صامتة خلف الأبواب، ليست معركة كراهية -لا سمح الله- بل هي معركة “عدم فهم”. نجلس على أريكة واحدة، في سقف واحد، لكن يفصل بيننا وبين كبارنا “سنوات ضوئية” من المفاهيم. يراقب الجد حفيده وهو يقلب في عالمه الغريب، ويتساءل بحسرة: “أين السنع؟ وأين أيامنا التي كانت الكلمة فيها ميثاقاً؟”، بينما ينظر الحفيد إلى نصيحة الجد كإرث قديم لا يناسب سرعة زمنه.

هذه الفجوة العاطفية بين الأجيال ليست مجرد فرق في الأعمار، بل هي جفاف في “قنوات الاتصال”. لقد انشغلنا بتطوير سبل العيش، ونسينا تطوير لغة الحوار داخل العائلة. أصبح الكبير يشعر بالوحدة وهو بين أبنائه، والصغير يشعر بالقيود وهو وسط أهله. الحقيقة التي نغفل عنها هي أننا جميعاً في مركب واحد؛ فالكبير كان يوماً في مكان هذا الصغير، والصغير يركض مسرعاً نحو شيب الوقار.

إن كبارنا لا يطلبون منا أن نعيش في الماضي، بل يطلبون “التقدير”. يريدون أن يشعروا بأن حكمتهم لا تزال عملة مقبولة في سوق الحياة. والشباب لا يطلبون التمرد، بل يريدون “التفهم”؛ أن يُنظر إلى طموحهم المختلف بنوع من الثقة لا الريبة.

الحل يبدأ من استعادة “جلسة القهوة” الحقيقية، تلك التي تُغلق فيها الشاشات وتُفتح فيها القلوب. أن ينزل الشاب من برج معرفته التقنية ليسمع قصة قديمة بإنصات، وأن يتنازل الكبير قليلاً عن حدة الرأي ليعذر حماس الشباب. البيوت لا تُبنى بالإسمنت وحده، بل تُبنى بذلك الجسر العاطفي الذي يجعل الجد يفتخر بحفيده، ويجعل الحفيد يرى في تجاعيد وجه جده خارطة طريق لنجاحه.

إننا بحاجة إلى “مصالحة الأجيال”، ليس من أجل الماضي، بل من أجل مستقبل يحتاج إلى “قوة الشباب” مسنودة على “حكمة الشيب”. فلا خير في جيل يطير بلا أجنحة التاريخ، ولا بقاء لتاريخ لا يتجدد بروح العصر.

الكاتبة: موضي المرواني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com