بين ضيق العقل ومرض النفس: حين تُحيل الحماقة صاحبها إلى نفيٍ اختياري وتُنهك من حوله
بقلم الكاتبة: موضي المرواني

ليس أشدّ على النفس البشرية من أن يرى الإنسان أثره في وجوه الناس كراهيةً ونفوراً، ولا أوجع من أن يتحول وجوده في أي مجلس إلى إشارة بدء لانسحابٍ صامت وممتنع. إن الحماقة المستحكمة—حين تتجسد في عصبيةٍ منفلتة، وشكوكٍ سوداوية تتغذى على سوء الظن الدائم، وجرأةٍ بالغة على ألسنة الناس وأجسادهم—ليست مجرد طبعٍ حادٍّ يُطاق، ولا قسوة عابرة تُغتفر مع الوقت. إنها البرهان الساطع على صغر العقل وانسداد أفق الحكمة، وفي أصلها الطبّي: اضطرابٌ ومرضٌ نفسيٌّ يستوجب العلاج السلوكي الحاسم دون إبطاء.
إن صاحب هذا السلوك يعيش في وهمٍ كبير؛ يظن أن رفع الصوت، وافتعال الخصومات، والاندفاع نحو التعدي اللفظي أو الجسدي وسيلةٌ لإثبات الذات أو فرض الهيبة. غير أن الحقيقة المناقضة تماماً هي أن الهيبة لا تُبنى بالصراخ والتعدي، بل تُنسَف بهما تماماً، فينكشف ضعفه وقلة حيلته أمام الجميع. ومع استمرار هذا النمط العدائي، ينتهي به المطاف إلى أن يصبح إنساناً منبوذاً يكره الجميع التواجد معه؛ فيتحاشاه الناس وتضيق به دوائر التفاعل المهني خشية انفعالاته التي لا يُؤمن جانبها، وينفر منه البعيد والقريب حتى تجفّ من حوله كل منابع القبول والاحترام.
إن المأساة تكمن في أن هذا السلوك العدائي يولد حالة شمولية من الكراهية والنفور لدى كل من تعامل معه أو تواجد في محيطه. فالناس جميعاً، سواءً كانوا معارف أو زملاء عمل أو مقربين، يجمعون على رفض هذا الطبع ويمقتون انفعالاته الحادة والغير مبررة؛ إذ يتعامل الجميع معه بحذرٍ شديد واستنزاف نفسي يومي، تحسباً لأي كلمة تُفهم على غير وجهها، أو نوبة غضب تدمر الاستقرار وتجلب الإحراج والأذى للجميع. إن هذا الإرهاق المستمر يجعل من وجوده عبئاً ثقيلاً يفر منه الجميع.
إن الحماقة المنفلتة والعصبية المرضية ليست قدرًا يلتصق بالإنسان مدى الحياة، بل هي اضطراب سلوكي يتطلب توقفاً حازماً؛ إذ يجب على صاحب هذه الحالة الخضوع فوراً للعلاج النفسي والسلوكي والتوجّه إلى المصحات والعيادات المختصة دون أي تردد أو خجل. إن تلقي العلاج السلوكي المعرفي هو ضرورة حتمية والسبيل العلمي الوحيد لإعادة رسم الخرائط الذهنية لدى هذا الشخص، وتدريبه على ضبط انفعالاته وفهم مقاصد الآخرين دون ارتجالٍ أو شك.
في نهاية المطاف، إن الاستسلام للحماقة والعصبية هو اختيارٌ للنفي الذاتي وتدميرٌ صامت لعلاقاته مع المجتمع. إن الخضوع للعلاج النفسي والسلوكي هو خطوة واجبة وبداية جديدة يتخلص بها الإنسان من أوهامه، ويحقّق بها الراحة النفسية والسلام الداخلي أولاً.
بقلم الكاتبة: موضي المرواني




