
إلى أرضٍ سكنت القلب كلُّنا لنا مسقطُ رأسٍ؛ وطنٌ نسكنه ومسقطُ قلبٍ؛ وطنٌ يسكننا. فليس كل انتماءٍ تمنحنا إياه شهادة الميلاد؛ فبعض الأوطان تسكن فينا بما تقدّمه لنا، وما تفتحه أمامنا من أبواب الرزق، وما تمنحنا إياه من فرصٍ وذكرياتٍ وأثرٍ يبقى في الوجدان.
فمسقط الرأس هو الأرض التي جئنا إلى الدنيا فيها، أما مسقط القلب فهو أرضٌ قد لا نولد عليها، لكنها تحتضن خطواتنا، وتشاركنا تفاصيل أيامنا، وتترك في أرواحنا من الأثر ما يجعلها قريبةً من القلب، حاضرةً في الذاكرة.
وها أنا أكتب من المملكة العربية السعودية؛وعن تلك الأرض التي لم تكن مسقط رأسي، لكنها أصبحت مسقط قلبي. أكتب بمحبةٍ وامتنان، لا من باب المجاملة، ولا رياءً، ولا رغبةً في المبالغة في الثناء، بل إيمانًا بأن من الوفاء أن نذكر الجميل، وأن نعترف بالفضل، وأن ننصف الأرض التي منحتنا من خيرها وأمانها وذكرياتها ما يستحق التقدير.
وللمملكة في قلوب المسلمين مكانةٌ عظيمة؛ فهي أرض الحرمين الشريفين، ومهوى أفئدةٍ تهوي إليها شوقًا، وتشدّ إليها الرحال محبةً وتعظيمًا. وقد ارتبطت هذه المكانة في وجدان المسلمين بدعوة إبراهيم عليه السلام: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾.
ومن دعائه أيضًا: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾؛ دعوةٌ نستحضرها ونحن نسأل الله أن يديم على المملكة نعمة الأمن، وأن يحفظ أرضها وأهلها. ونرى في جهود قيادتها لحفظ استقرار البلاد، وفي ما يبذله جنودها ورجال أمنها من واجبٍ وتضحيات، أسبابًا تستحق التقدير والدعاء. وإن مرّت بالمملكة سحابةٌ سوداء، فإننا نرجو من الله أن تنقشع قريبًا، وأن تمرّ هذه الأيام بسلام، وتعود الحياة إلى طمأنينتها، وتواصل البلاد مسيرتها نحو مزيدٍ من الأمن والازدهار، وتبقى رايتها عاليةً وأرضها آمنةً مطمئنة.
وسنحكي لأجيالنا عن أيامٍ مرّت، وعن مسيّراتٍ أطلقها العدو، بينما ظلّ كثيرون يمارسون حياتهم اليومية دون أن يعلموا بما يجري إلا من خلال الأخبار؛ فنحمد الله على ما نعيشه من أمنٍ وطمأنينة، وندرك أن وراء هذه الطمأنينة جهودًا وتضحياتٍ يبذلها من يسهرون على حماية الوطن. نسأل الله أن يحفظ قيادة المملكة وجنودها وشعبها والمقيمين على أرضها، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار.
كم من مقيمٍ أو زائرٍ جاء إلى هذه الأرض طالبًا للرزق، أو باحثًا عن العلم، أو ساعيًا إلى مستقبلٍ أفضل، وكم من حاجٍّ ومعتمرٍ قصدها شوقًا إلى بيت الله الحرام ومسجد رسوله ﷺ، فعاد بذكرياتٍ لا تُنسى، وبمحبةٍ بقي أثرها في القلب بعد انقضاء الرحلة. فالأماكن لا تبقى في الذاكرة بما نراه فيها فحسب، بل بما نشعر به على أرضها، وبما تحمله لنا من معانٍ وتجارب.
وليست قيمة الأوطان فيما تمنحه من فرصٍ فحسب، بل فيما يشعر به الإنسان على أرضها من أمنٍ وطمأنينة، وما يجده من احترامٍ لكرامته، وصونٍ لحقوقه، ومعاملةٍ تحفظ إنسانيته. وحين يجد فرصةً للعمل والتعلّم وبناء المستقبل، ويشعر بأن له مكانًا يحفظ فيه كرامته ويصون حقوقه، تنشأ بينه وبين الأرض علاقةٌ تتجاوز الإقامة إلى المودّة، والمنفعة إلى الامتنان.
وفي ظل ما تنعم به المملكة من أمنٍ واستقرار، يجد المقيم والزائر مساحةً لمواصلة حياته، والعمل والتعلّم، وأداء عباداته في أجواءٍ من الطمأنينة. وقد يعتاد الإنسان هذه النعم من فرط حضورها في يومياته، لكنه يدرك قيمتها حين يتأمل أثرها في راحته وراحة أسرته ومستقبله. ومن هنا يأتي الامتنان؛ اعترافًا بنعمةٍ نعيشها، وتقديرًا لكل جهدٍ يسهم في صونها.
ولا يعني حبُّ أرضٍ أن نتنكر لجذورنا؛ فالمحبة ليست منافسةً بين الأوطان، والوفاء لا يحتاج إلى أن ينتقص من أرضٍ ليُعلي قدر أخرى. فأنا مصرية الجذور، أعتز بأصلي، وأحمل في الوقت نفسه محبةً صادقةً للمملكة العربية السعودية؛ الأرض التي أصبحت جزءًا من حكايتي، وجمعتني بها مواقف وذكريات وخيرٌ أراه جديرًا بالتقدير والوفاء. فالأوطان التي نحبها لا تتزاحم في القلب، بل تتسع لها مساحات المحبة حين يكون الانتماء صادقًا.
ولأن محبة الأوطان لا تُقاس بالكلمات وحدها، بل تظهر في المواقف، ولا سيما أوقات الشدائد، فإن محبتي للمملكة لا تقف عند حدود المشاعر والعبارات، بل تمتد إلى تحمّل المسؤولية، والوقوف معها بالوعي والعمل، واحترام كل ما يحفظ أمنها وسلامة أهلها والمقيمين على أرضها.
وفي ظل هذه الأحداث، تقع على عاتق المواطن والمقيم مسؤوليةٌ مشتركة؛ تتمثل في الالتزام بتعليمات الجهات المختصة، والامتناع عن تصوير المواقع أو الأحداث الأمنية ونشرها، والإبلاغ عن أي مشاهداتٍ تستدعي ذلك عبر القنوات الرسمية، وتجنّب تداول الشائعات أو نشر ما قد يضرّ بأمن الوطن وسلامة أهله. فالكلمة أمانة، والتصرف الواعي واجب، والتعاون في أوقات الشدائد صورةٌ من صور الوفاء.
ولكلٍّ منا ميدانه الذي يؤدي فيه واجبه؛ فالجنود ورجال الأمن يبذلون جهودهم لحماية الوطن وصون استقراره، ونحن نساندهم من مواقعنا بالوعي والمسؤولية، وبكلمةٍ مسؤولة، وتصرفٍ حكيم، والتزامٍ بالتعليمات. إن التضحيات التي تُبذل من أجل أمن البلاد تستحق منا التقدير، وأن نكون عونًا لكل من يعمل على حمايتها، لا عبئًا على جهوده.
ولأن الجميل لا يُنسى، أكتب اليوم بقلمِ مصريةٍ وحبرٍ سعودي، بقلبٍ مصريٍّ ونبضٍ سعوديّ؛ أكتب عن أرضٍ أحببتها، وأقدّر ما تمثّله، وأحمل لها من الامتنان والوفاء ما لا تختصره الكلمات. أكتب لأن المحبة الصادقة تستحق أن تُقال بإنصاف، ولأن الوفاء لا ينتقص من الجذور، بل يكشف عن قدرة القلب على حفظ الجميل وتقدير من أحسن إليه.
فبعض الأوطان مسقطُ رأس، وبعضها مسقطُ قلب… وما يسكن القلب بصدق، تبقى له مكانةٌ لا تمحوها المسافات، ولا تنتقص منها الجذور.
📝✍🏻 نور الهدى الجمَّال




