المقالات

من الحكمة إلى الحزم.. ثوابت السياسة السعودية

بقلم د. عبدالعزيز المشيقح

حين نتأمل سياسة المملكة العربية السعودية عبر العقود، نجد أن القوة في مفهومها السعودي لم تكن يومًا اندفاعًا نحو الحرب، ولا بحثًا عن الصراع، وإنما كانت قوةً يحكمها العقل، ويضبطها الشرع، وتوجّهها الحكمة.

ولعل أجمل ما يعبّر عن ذلك أن نقول: يا لَحِلمِ السعودية رغم قوتها!

فالمملكة، على ما تملكه من مكانة سياسية واقتصادية وعسكرية، اختارت في كثير من الأزمات أن تكون دارًا للصلح، ومنبرًا للحوار، ومكانًا يجتمع فيه المختلفون قبل أن تتسع دائرة الخلاف.

سعت إلى جمع الفلسطينيين، واستضافت لقاءات ومصالحات عربية، وأسهمت في تقريب العراقيين واللبنانيين واليمنيين والسودانيين، وظلت الدبلوماسية السعودية تعمل من أجل إطفاء الحرائق قبل اتساعها، وتقديم لغة العقل على لغة السلاح.

وهذه السياسة ليست ضعفًا، بل هي حِلم القادر. فالضعيف قد يتجنب المواجهة لأنه لا يستطيعها، أما القوي حين يملك أدوات الردع ثم يختار السلام، فذلك هو الحِلم الحقيقي.

لكن الحِلم لا يعني أن تتحول سيادة الوطن وأمن مواطنيه إلى مجال للمساومة.

لقد واجهت المنطقة خلال العقود الماضية تدخلات خارجية وصراعات وأذرعًا مسلحة عابرة للدولة، وكان التدخل الإيراني ودعم جماعة الحوثي الإرهابية أحد أبرز مصادر التوتر الإقليمي.

 

فحين تتحول الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى أدوات لتهديد المدن والمنشآت والأمن الوطني، يصبح من حق الدولة أن تدافع عن أرضها وشعبها بما تكفله لها الشرائع والقوانين.

 

وهنا يظهر الوجه الآخر للسياسة السعودية: حِلمٌ عند المقدرة، وحزمٌ عند الضرورة.

 

فالمملكة اليوم قوتها قائمة على أركان متينة؛ أولها تمسكها بعقيدتها وثوابتها، فهي بلاد الحرمين الشريفين، ودستورها قائم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن كان هذا منهجه فالله معه ويتولاه.

 

وثانيها قيادة تعرف متى تتحدث لغة السلام، ومتى يكون الدفاع عن الوطن واجبًا لا تردد فيه.

 

وثالثها شعب سعودي أثبت في الأزمات أن أمن الوطن ووحدته وسيادته قضايا جامعة، وأن الالتفاف حول القيادة في أوقات الخطر يمثل أحد أهم عناصر القوة الوطنية، وكل منا يشهد الله أن دمه وماله فداء لعقيدتنا ثم مليكنا ووطننا، ورهن إشارة ولاة أمرنا.

 

أما الركن الرابع فهو ما بنته المملكة من قدرات عسكرية دفاعية وهجومية وتقنية متقدمة، برية وجوية وبحرية وصاروخية، هدفها الأول حماية الوطن وردع من يفكر في الاعتداء عليه.

 

ولعل من الرموز المعروفة تاريخيًا لهذه القوة صاروخ (رياح الشرق) DF-3، الذي تمتلكه المملكة، وظهر علنًا أمام العالم في العرض العسكري عام 2014. وهو صاروخ باليستي بعيد المدى، زُوّد بحمولة تقليدية كبيرة، ويصل مداها وفق التقديرات المنشورة إلى آلاف الكيلومترات.

 

وليس المقصود من ذكر (رياح الشرق) التلويح بتدمير المدن أو إزهاق أرواح الأبرياء؛ فالقوة الحقيقية لا تقاس بعدد ما تستطيع تدميره، وإنما بقدرتها على منع المعتدي من التفكير في الاعتداء أصلًا، وهذا ما يجعل العدو يحسب له ألف حساب؛ لأن قدرته التدميرية هائلة جدًا جدًا جدًا، وهذا هو مفهوم الردع.

 

وإلى جانب القوة الصاروخية، تمتلك القوات الجوية الملكية السعودية منظومة متقدمة من المقاتلات، وهي الأولى بالمنطقة، من بينها F-15 والتايفون والتورنيدو، وهي طائرات ظهرت ضمن تشكيلات القوات الجوية السعودية رسميًا، ويصل مداها إلى كل معتدٍ.

 

كما تمتلك المملكة قدرات للضربات الدقيقة بعيدة المدى، ومنها صواريخ Storm Shadow/SCALP كروز الجوالة التي تؤكد المصادر الدفاعية وجودها في الخدمة السعودية.

 

وهذه أسلحة دقيقة مخصصة أساسًا لضرب أهداف عسكرية واستراتيجية ثابتة وعالية القيمة، وليست دليلًا على أن المملكة تبحث عن الحرب، بل جزء من منظومة الردع وحماية الأمن الوطني.

 

ومن هنا فإن الرسالة التي ينبغي أن يفهمها كل من يفكر في تهديد المملكة ليست رسالة حرب، بل رسالة ردع: لا تختبروا حِلم السعودية فتجدوا حزمها.

 

فالسعودية التي تمد يدها للسلام هي ذاتها السعودية التي تملك القدرة على حماية أرضها، والسعودية التي تدعو الفرقاء إلى طاولة الحوار هي ذاتها التي لا تقبل المساس بسيادتها أو أمن شعبها.

 

لسنا دعاة حرب، ولا نفرح بصاروخ يسقط هنا أو هناك، ولا بدم يُراق؛ لأن الحرب حين تبدأ لا يعرف لهيبها حدودًا، والمتضرر الأول منها الشعوب.

 

لكن السلام الحقيقي لا يصنعه الضعف، خاصة مع أي مجرم إرهابي ومليشياته كالحوثي.

 

السلام يحميه الردع، والحوار تسنده القوة، والحِلم تزداد قيمته حين يصدر عن قادر.

 

لهذا نقول لمن يطالب المملكة بالحِلم وضبط النفس وكأنها لم تطرق أبواب السلام من قبل:

 

لقد حلمت السعودية طويلًا، وتفاوضت طويلًا، ومدت يدها طويلًا، وسعت إلى جمع المختلفين طويلًا؛ ولكن للحِلم حدودًا حين يصبح أمن الوطن في خطر.

 

وستظل المملكة ـ بإذن الله ـ دولة سلام حين يكون السلام ممكنًا، ودولة حزم حين يكون الحزم واجبًا.

 

تلك هي السعودية:

 

تحلُم لأنها قوية،

 

وتصفح لأنها قادرة،

 

وتدعو إلى السلام لأنها تعرف قيمة السلام،

 

ولكنها إذا مُسَّ أمنها وسيادتها، فإنها وطنٌ يعرف كيف يحمي نفسه.

 

وفي النهاية النصر للسعودية بحول الله وقوته، فالمؤشرات تثبت ذلك، وسيندم كل خائن وعميل ومتخاذل.

 

وللتذكير، جل الشعوب العربية والإسلامية الآن تنهل من خيرات السعودية، بما في ذلك الشعب اليمني الذي باب رزقه الأول بعد الله السعودية.

 

فالله أكبر، والعزة لله ثم للمملكة العربية السعودية العظمى، ولكل مسلم موحد آمن برسالة المملكة بدفاعها عن عقيدته، ومد يده لها، ودعا لها بالتمكين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com