الناشري : حماية الأطفال من “التقليد الرقمي” مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع

أكد المستشار الاجتماعي طلال محمد الناشري، أن ظاهرة تقليد الأطفال للمقاطع المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت من القضايا الاجتماعية والتربوية التي تستدعي مزيداً من الاهتمام، في ظل الانتشار الواسع للمنصات الرقمية وسهولة وصول الأطفال إلى المحتوى بمختلف أشكاله، الأمر الذي يجعل بعضهم أكثر ميلاً إلى محاكاة ما يشاهدونه دون إدراك كامل للعواقب أو المخاطر المحتملة.
وبين أن الأطفال بطبيعتهم يميلون إلى التعلم من خلال الملاحظة والتقليد، وهي إحدى أهم الوسائل التي يكتسبون عبرها السلوكيات والمهارات منذ سنواتهم الأولى ، ومع التطور التقني وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الطفل يقتصر في تقليده على الأسرة أو المدرسة أو الأصدقاء، بل أصبح يتأثر أيضاً بصناع المحتوى والمشاهير والمقاطع القصيرة التي تنتشر بسرعة كبيرة عبر المنصات الرقمية.
وأوضح أن مفهوم التقليد يقصد به قيام الفرد بمحاكاة سلوك أو تصرف أو نمط معين شاهده لدى الآخرين، ويعد هذا السلوك جزءاً طبيعياً من مراحل النمو والتعلم ، إلا أن المشكلة تظهر عندما يتحول التقليد إلى ممارسة عشوائية دون وعي أو رقابة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمحتوى رقمي قد يحمل رسائل أو ممارسات غير مناسبة لعمر الطفل.
وأضاف أن الأطفال ينجذبون إلى بعض المقاطع المتداولة بسبب عوامل عديدة، من أبرزها الرغبة في الانتماء إلى المجموعة، وحب التجربة والاستكشاف، والإعجاب بالشخصيات المؤثرة، إضافة إلى طبيعة المقاطع القصيرة التي تعتمد على الإثارة والتشويق والتحديات الملفتة للانتباه ، كما أن حصول بعض المقاطع على ملايين المشاهدات والتفاعلات يجعل الطفل يعتقد أنها سلوكيات مقبولة أو جديرة بالتجربة.
وأشار إلى أن التقليد الرقمي قد تكون له بعض الجوانب الإيجابية عندما يتعلق بمحتوى تعليمي أو ثقافي أو رياضي هادف، إلا أن الخطر يكمن في تقليد المقاطع التي تتضمن سلوكيات متهورة أو غير آمنة ، فبعض التحديات المنتشرة عبر المنصات قد تدفع الأطفال إلى القيام بحركات خطرة أو استخدام أدوات بطريقة غير سليمة أو تعريض أنفسهم والآخرين للأذى بهدف التصوير أو تحقيق الشهرة بين الأقران.
وأكد أن السنوات الأخيرة شهدت تسجيل العديد من الحوادث حول العالم ارتبطت بمحاولات تقليد تحديات رقمية خطرة، ما أدى إلى إصابات متفاوتة الخطورة، بل ووصل الأمر في بعض الحالات إلى نتائج مأساوية ، ويعود ذلك إلى أن الطفل لا يمتلك دائماً القدرة الكافية على تقدير المخاطر أو التمييز بين الواقع وما يتم عرضه لأغراض الترفيه أو جذب المشاهدات.
وبين أن الدراسات العلمية الحديثة تناولت هذه القضية من زوايا متعددة، حيث أظهرت أبحاث في مجالات علم النفس ونمو الطفل أن الأطفال يتأثرون بشكل كبير بالنماذج التي يشاهدونها عبر الشاشات، وأن الميل إلى “التقليد المفرط” يعد سلوكاً شائعاً لدى الأطفال في مراحل عمرية مختلفة ، كما أشارت دراسات حديثة إلى وجود ارتباط بين الإفراط في التعرض للمحتوى الرقمي وبعض المشكلات السلوكية والاجتماعية لدى الأطفال، الأمر الذي يستدعي تعزيز الوعي الأسري والرقابة التربوية.
وشدد المستشار طلال الناشري على أن حماية جيل اليوم من مخاطر التقليد الرقمي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية ، ويمكن تحقيق ذلك من خلال تعزيز الحوار مع الأطفال، ومتابعة المحتوى الذي يشاهدونه، وتحديد أوقات مناسبة لاستخدام الأجهزة الذكية، وتنمية مهارات التفكير النقدي لديهم، وتعليمهم كيفية التحقق من المحتوى وعدم الانسياق خلف كل ما يتم تداوله عبر الإنترنت.
وخلص المستشار الناشري إلى القول: إن بناء الوعي الرقمي لدى الأطفال أصبح ضرورة مجتمعية ملحة، فكلما امتلك الطفل المعرفة والقدرة على التمييز بين المحتوى المفيد والضار، أصبح أكثر قدرة على الاستفادة من التكنولوجيا وتجنب مخاطرها.




