د. ضياء حسين: الحرمان من النوم يُربك مراكز التركيز في الدماغ ويُضعف القدرة على اتخاذ القرار

يؤكد طبيب الروماتيزم والطب الشمولي الدكتور ضياء حسين ، أن النوم ليس مجرد فترة يستريح فيها الجسم، بل هو عملية حيوية معقدة يعتمد عليها الدماغ ليحافظ على قدراته الذهنية، وفي مقدمتها التركيز والانتباه واتخاذ القرار ، ويشير إلى أن كثيرًا من حالات تشتت الذهن التي يعانيها الناس خلال النهار سببها المباشر نوم قليل أو متقطع، حتى لو بدا صاحبها قادرًا على أداء أعماله اليومية بشكل طبيعي.
ويوضح أن التركيز من أهم الوظائف العقلية التي يحتاجها الإنسان في التعلم والعمل وقيادة السيارة والتواصل مع الآخرين ، وهو يقوم على شبكة مترابطة من مناطق الدماغ تستقبل المعلومات وتحللها وتستبعد ما يشتت الانتباه ، فالدماغ اليقظ يستطيع أن يوجّه انتباهه نحو مهمة واحدة لوقت كافٍ، غير أن هذه القدرة تتراجع تدريجيًا مع الحرمان من النوم.
ويضيف أن النوم الليلي يمنح الدماغ فرصة لإعادة ترتيب نشاطه العصبي، والتخلص من الفضلات الأيضية التي تتراكم خلال ساعات اليقظة، كما يُسهم في تثبيت المعلومات والذكريات وتسريع معالجة البيانات ، ولهذا يشعر الإنسان بعد ليلة هانئة بأنه أقدر على الفهم والتركيز من شخص قضى ليلة قصيرة أو مضطربة.
ليلة واحدة تكفي لتراجع “الأداء الذهني”
ويؤكد الدكتور ضياء أن قلة النوم تُضعف كفاءة مراكز الانتباه في الدماغ، فيظهر ذلك في بطء الاستجابة وكثرة النسيان وصعوبة إنجاز المهام المعقدة ، وتدعم ذلك مراجعة منهجية وتحليل تجميعي أجراه باحثون من مركز علم الأحياء الزمني في بازل بسويسرا، شمل 44 دراسة، وتوصل إلى أن تقليص مدة النوم لليلة واحدة فقط يؤثر بالفعل في النعاس والوظائف الإدراكية لدى البالغين الأصحاء ، وقد ضمّت هذه المراجعة بيانات أكثر من ألف مشارك، وقارنت بين ليلة نام فيها المشاركون نحو أربع ساعات وليلة نوم طبيعية بنحو ثماني ساعات.
وتابع : كما توصلت دراسة أجراها باحثون من جامعة جنوب الصين التربوية بالتعاون مع جامعة شرق الصين العادية في شنغهاي، باستخدام الرنين المغناطيسي الوظيفي، إلى أن ليلة واحدة بلا نوم تُضعف الانتباه المستمر ، وقد فحصت الدراسة 42 مشاركًا مرتين، مرة بعد نوم طبيعي ومرة بعد 24 ساعة من السهر المتواصل، وتبيّن أن ضعف الانتباه بعد الحرمان من النوم يمكن التنبؤ به من اضطراب الاتصال بين الفص الجبهي ومناطق دماغية أساسية لاستقبال المنبهات، كالمهاد والقشرة البصرية.
هفوات الانتباه : خطر خفي
ويشرح الدكتور ضياء أن التركيز يعتمد على توازن دقيق بين مراكز اليقظة في الدماغ والإشارات العصبية التي تنظم الانتباه ، ومع نقص النوم تكثر ما يُعرف بـ”هفوات الانتباه”، وهي لحظات قصيرة يفقد فيها الدماغ تركيزه الكامل رغم أن الشخص يبدو مستيقظًا ، وتُعد هذه الهفوات من أبرز أسباب الأخطاء المهنية وحوادث الطرق وتراجع الإنتاجية ، وقد ألقت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature Neuroscience عام 2025 مزيدًا من الضوء على هذه الظاهرة ، إذ فحص الباحثون فيها كل مشارك مرتين، مرة بعد ليلة نوم طبيعية ومرة بعد ليلة كاملة بلا نوم تحت إشراف مستمر في المختبر، ووجدوا أن لحظات فقدان الانتباه تتزامن مع تغيرات في تدفق الدم وحركة السائل الدماغي الشوكي داخل الدماغ ، وهذا يعزز الفكرة القائلة إن الدماغ المحروم من النوم يحاول تعويض ما فاته من عمليات التنظيف والتجدد حتى أثناء اليقظة، على حساب الانتباه.
الأرق: عادات يمكن تغييرها
وفيما يتعلق بالأرق، يرى الدكتور ضياء أن كثيرًا من حالاته ترتبط بعادات يومية خاطئة يمكن تعديلها، ومن أبرزها استخدام الهاتف الذكي قبل النوم، وتناول القهوة ومشروبات الطاقة في المساء، وعدم انتظام مواعيد النوم والاستيقاظ، إلى جانب التوتر والضغوط النفسية ، ولذلك ينصح بتهيئة غرفة نوم هادئة ومظلمة، والابتعاد عن الشاشات الإلكترونية قبل النوم بساعة على الأقل، وتجنب الوجبات الثقيلة والمنبهات في ساعات المساء، وممارسة النشاط البدني بانتظام خلال النهار. كما يشدد على أهمية الالتزام بموعد نوم ثابت حتى في عطلة نهاية الأسبوع، لأن الدماغ يستجيب للروتين المنتظم أكثر من غيره.
النوم الصحي ضرورة لا رفاهية
ويختم الدكتور ضياء حديثه بأن الأبحاث الطبية الحديثة تؤكد باستمرار أن النوم الجيد من أهم العوامل المؤثرة في صحة الدماغ وكفاءة الأداء الذهني ، فالنوم من سبع إلى تسع ساعات يوميًا، وهو ما توصي به الأكاديمية الأمريكية لطب النوم للبالغين، يحسّن التركيز وسرعة الاستجابة والتعلم واتخاذ القرار ، أما نقص النوم فيؤدي إلى ضعف الانتباه وتراجع الأداء المعرفي وزيادة الشعور بالإرهاق الذهني ، فالمحافظة على النوم الصحي ليست رفاهية، بل ضرورة أساسية لسلامة الدماغ وجودة الحياة.




