طبيب مختص : الخمول ” اللاشيء ” خطر صامت ودراسات تحذر من مخاطره على الصحة

كشف طبيب الروماتيزم وهشاشة العظام والطب الشمولي الدكتور ضياء حسين، أن الخمول البدني الذي يعرف أيضاً بإسم اللاشيء أصبح أحد أبرز التحديات الصحية التي تواجه المجتمعات المعاصرة ، إذ إن الزيادة الملحوظة في معدلات الإصابة بالعديد من الأمراض المزمنة خلال السنوات الأخيرة ترتبط بشكل كبير بنمط الحياة الحديث الذي يتسم بقلة الحركة وكثرة الجلوس ، موضحاً أن الخمول لا يعني مجرد الراحة أو الاسترخاء المؤقت، بل هو انخفاض مستوى النشاط البدني اليومي إلى حد لا يسمح للجسم بأداء وظائفه الحيوية بكفاءة.
وقال إن الخمول يظهر من خلال مجموعة من الأعراض، أبرزها الشعور الدائم بالتعب والإرهاق، ضعف اللياقة البدنية، زيادة الوزن، آلام العضلات والمفاصل، ضيق النفس عند بذل مجهود بسيط، إضافة إلى تراجع النشاط الذهني والتركيز ، كما يحدث الخمول نتيجة عوامل متعددة منها الاعتماد المفرط على التكنولوجيا، وساعات العمل الطويلة خلف المكاتب، والاستخدام المتواصل للهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية، فضلاً عن غياب ثقافة ممارسة الرياضة بشكل منتظم.
وأضاف أن المقارنة بين حياة الناس في الماضي وحياتهم اليوم تكشف اختلافاً واضحاً في مستوى الحركة اليومية ، فقد كان الإنسان في السابق يعتمد على المشي والتنقل البدني في معظم شؤون حياته، سواء في العمل أو الزراعة أو التنقل أو الأعمال المنزلية، بينما أصبح كثير من الناس اليوم يقضون ساعات طويلة في الجلوس أمام الشاشات أو داخل السيارات ، ورغم أن الحياة الحديثة وفرت قدراً أكبر من الراحة، فإنها في المقابل قللت من النشاط الحركي الطبيعي الذي كان يسهم في الحفاظ على الصحة العامة والوقاية من العديد من الأمراض.
وأشار إلى أن الدراسات العلمية الحديثة ومنظمات الصحة العالمية حذرت مراراً من الآثار السلبية للخمول والجلوس لفترات طويلة، حيث أجرت بريطانيا أبحاثاً واسعة حول الخمول البدني من خلال مشروع “UK Biobank”، الذي تابع عشرات الآلاف من المشاركين لسنوات طويلة، وأظهرت الدراسات أن زيادة ساعات الجلوس والخمول ترتبط بارتفاع خطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية والوفاة المبكرة، حتى بعد مراعاة عوامل صحية أخرى ، كما أظهرت دراسة سويدية طويلة المدى تابعت أكثر من 20 ألف شخص على مدار نحو 19 عاماً أن أنماط الجلوس والخمول تؤثر في صحة الدماغ وخطر الإصابة بالخرف، وأن نوع النشاط الذي يمارسه الفرد أثناء الجلوس قد يكون له دور في تقليل المخاطر الصحية المرتبطة بالخمول ، بالإضافة إلى ذلك ركزت الدراسات الأسترالية على العلاقة بين الخمول والأمراض المزمنة، وأظهرت نتائج “دراسة AusDiab” أن الأشخاص غير النشطين بدنياً أكثر عرضة للإصابة بأمراض الكلى المزمنة ومضاعفات القلب والأوعية الدموية.
وأضاف د.ضياء أن الخمول يؤثر على الدورة الدموية، مما يضعف قدرة الجهاز المناعي على مواجهة الأمراض، إذ يقول ديمتري كونستانتينو، الأستاذ واختصاصي طب الرياضة والتمارين في قسم علوم التمرينات والطب الرياضي بجامعة ويتس والمشرف على الدراسة العلمية ، إن الإنسان مهيأ للحركة بالفطرة ، وعندما نتوقف عن الحركة، تبدأ أجسامنا بالتدهور ويحدث ذلك بسرعة ، كما كشفت دراسة حديثة أجراها فريق من جامعة ويتس بجنوب أفريقيا نشرتها The medical British Journal أن يوماً واحداً فقط من الخمول كفيل بإحداث تغييرات ملحوظة بالجهازين القلبي الوعائي والعضلي الهيكلي ، وبالمقابل يُحفز النشاط البدني إطلاق إشارات تؤثر على استقلاب الخلايا وتجديدها وتنشيط المناعة وتكون آثاره عميقة، وتبدأ بأمر بسيط كالوقوف والذي يمكن أن يحدث فرقاً ملموساً في صحة الفرد بدلاً من الجلوس ، فالحركة دواء، وليست مجرد شعار يردده رواد الصالات الرياضية وعداؤو الماراثون ، وبذلك إنها وصفة لحياة صحية فهي قادرة على تجديد مناعة الجسم والوقاية من الأمراض، بما فيها السرطانات، والحد من آثارها، وتحسين التعافي، وحماية الصحة النفسية ، بالإضافة إلى ذلك يقول بجون باتريسيوس، أستاذ علوم الرياضة وطب التمارين في كلية العلوم الصحية في جنوب أفريقيا ” إن معرفة أن 60 دقيقة فقط من التمارين الرياضية المنتظمة أسبوعياً قد تقلل من احتمالية تطور السرطان بنسبة 27 في المائة والوفاة بنسبة 47 في المائة، يجب أن تشجع جميع الأطباء على استخدام الرياضة كعلاج ، فالنشاط البدني المنتظم هو أقوى وأسهل وصفة طبية يُمكننا تقديمها لمرضانا”.
ولفت د.ضياء إلى أن آثار الخمول لا تقتصر على الصحة الجسدية فقط ، بل تمتد إلى الجانب النفسي أيضاً، إذ يرتبط نمط الحياة قليل الحركة بزيادة الشعور بالتوتر والقلق وضعف الحالة المزاجية وتراجع الطاقة الذهنية ، كما أن قلة النشاط البدني قد تؤدي إلى انخفاض إفراز بعض المواد الكيميائية في الدماغ المرتبطة بالشعور بالسعادة والراحة النفسية، مما يجعل الإنسان أكثر عرضة للشعور بالإجهاد النفسي وفقدان الحافز للقيام بالأنشطة اليومية.
وفي ختام حديثه يقدم د.ضياء مجموعة من النصائح للأشخاص الذين يستسلمون للخمول وهي :
ضرورة تخصيص ما لا يقل عن 30 دقيقة يومياً للمشي أو ممارسة أي نشاط بدني مناسب، وتقليل فترات الجلوس المتواصلة عبر النهوض والحركة كل ساعة، واستخدام السلالم بدلاً من المصاعد متى أمكن، وممارسة الأنشطة الترفيهية الحركية مع الأسرة، والابتعاد عن قضاء أوقات طويلة أمام الشاشات دون انقطاع ، مؤكداً أن التغيير لا يتطلب خطوات كبيرة في البداية، بل إن الاستمرارية في الحركة اليومية هي المفتاح الحقيقي لبناء صحة أفضل والوقاية من العديد من الأمراض مستقبلاً.




