د. ضياء : ليس كل ارتفاع في “حمض اليوريك” نقرساً والتحليل الطبيعي لا يستبعد النوبة

كشف طبيب الروماتيزم وهشاشة العظام والطب الشمولي الدكتور ضياء حسين ، أن من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعاً الاعتقاد بأن ارتفاع حمض اليوريك في تحليل الدم يعني بالضرورة الإصابة بالنقرس، موضحاً أن كثيراً من الأشخاص قد يعيشون سنوات طويلة مع ارتفاعه دون أن تظهر عليهم أي أعراض، بينما قد تحدث نوبة نقرس حادة نموذجية ويكون المستوى طبيعياً وقت الفحص، ولا سيما إذا أُجري التحليل أثناء النوبة نفسها.
وقال الدكتور ضياء: «يعتمد التشخيص على القصة المرضية والفحص السريري ومجمل المعطيات، وقد يحتاج في بعض الحالات إلى تحليل السائل المفصلي للكشف عن بلورات اليورات ، فالطبيب يعالج المريض لا نتيجة التحليل، ولا ينبغي أن يقود ارتفاع حمض اليوريك إلى تشخيص ذاتي أو حمية قاسية دون استشارة الطبيب».
وأوضح أن النقرس من أكثر أنواع التهاب المفاصل شيوعًا، وينشأ عن ترسب بلورات اليورات داخل المفاصل نتيجة استمرار ارتفاع حمض اليوريك، فتحدث نوبات مفاجئة من الألم الشديد والاحمرار والتورم، تبدأ غالبًا في مفصل إبهام القدم. ولا ترتبط الإصابة بالغذاء وحده، بل تتداخل فيها الوراثة، وكفاءة الكلى، والسمنة، واضطرابات التمثيل الغذائي، وبعض الأدوية مثل مدرات البول والأسبرين بجرعات منخفضة.
وأكد أن السمنة من أهم عوامل الخطورة القابلة للتعديل، وأن إرشادات المعهد الوطني البريطاني للصحة وجودة الرعاية «NICE» الصادرة برقم NG219 عام 2022 توصي مرضى النقرس ذوي الوزن الزائد ببرامج مناسبة لإنقاص الوزن إلى جانب العلاج الدوائي.
ولفت إلى أن العلاقة بين السمنة والنقرس ثابتة في الدراسات السكانية، بينما تبقى الأدلة المستمدة من التجارب السريرية على أن إنقاص الوزن وحده يقلل عدد النوبات محدودة، إذ لم تظهر تجربة معشاة نشرت عام 2024 تحسنا ملموساً في الأعراض بعد إنقاص الوزن .
وقال: «ننصح بالوصول إلى وزن صحي لفوائده للقلب وضغط الدم والسكري، لكنه لا يغني عن العلاج الدوائي عندما يكون مطلوبًا» ، ونبّه إلى أهمية خفض الوزن تدريجيًا، لأن الحميات القاسية أو الصيام المطول وفقدان الوزن السريع قد ترفع حمض اليوريك مؤقتًا وتحفّز نوبة حادة.
وأوضح أن من أكثر الأغذية ارتباطًا بارتفاع حمض اليوريك الإفراط في اللحوم الحمراء والأحشاء الداخلية وبعض المأكولات البحرية، إضافة إلى المشروبات المحلاة بالسكر والغنية بالفركتوز ، مشيراً إلى تحليل شمولي نشر في مجلة Frontiers in Nutrition في أكتوبر 2025، جمع 22 دراسة رصدية شملت 235,790 مشاركًا، وخلص إلى أن استهلاك المشروبات المحلاة يرتبط بزيادة خطر فرط حمض اليوريك بنحو الثلث، وخطر الإصابة بالنقرس بنحو الخُمس.
وفي المقابل، تمثل الخضراوات والفواكه والحبوب الكاملة، مع الإكثار من شرب الماء، أساسًا لنمط غذائي صحي متوازن، وهو ما دعمته الإرشادات الوطنية الإيطالية للنظام الغذائي المتوسطي المنشورة في مجلة Nutrition Reviews مطلع عام 2026 ، غير أنه شدد على تفسير هذه النتائج بحذر، لأن معظمها دراسات رصدية تكشف عن ارتباط، ولا تثبت أن تغيير الطعام وحده يغيّر مسار المرض أو يمنع نوباته.
ولفت إلى أن إرشادات «NICE» تنص على عدم وجود أدلة كافية تثبت أن نظامًا غذائيًا محددًا يمنع نوبات النقرس أو يخفض حمض اليوريك بدرجة يمكن الاعتماد عليها علاجيًا، وأن مراجعة منهجية نُشرت في مجلة Mediterranean Journal of Rheumatology في ديسمبر 2025، وجمعت 27 تجربة سريرية معشاة، خلصت إلى أن الأدلة على فاعلية الأنماط الغذائية والمكملات ما تزال غير حاسمة، مع انخفاض الجودة المنهجية لعدد كبير من الدراسات.
وتابع الدكتور ضياء: «لا توجد حمية سحرية لعلاج النقرس. فالنظام الغذائي الصحي يدعم العلاج ويحسّن الوزن والاستقلاب وصحة القلب، لكنه لا يحل محل الأدوية الخافضة لحمض اليوريك عندما تكون مطلوبة».
وأضاف أن من أوسع المفاهيم الخاطئة انتشارًا الامتناع عن البقوليات والخضراوات الغنية بالبيورين، مثل العدس والفول والحمص والسبانخ والفطر، إذ لم تجد الدراسات ارتباطًا بينها وبين زيادة خطر الإصابة بالنقرس، بخلاف الإفراط في اللحوم الحمراء والأحشاء والمأكولات البحرية. كما لم تثبت الأدلة فائدة سريرية واضحة لمكملات فيتامين «C» في خفض حمض اليوريك، رغم شيوع استخدامها ، وقال: «يحرم كثير من المرضى أنفسهم من أغذية مفيدة دون دليل علمي واضح، بينما يستمرون في تناول المشروبات المحلاة يوميًا».
واختتم الدكتور ضياء حديثه بالتأكيد على أن النقرس مرض مزمن يمكن السيطرة عليه بدرجة كبيرة عند تشخيصه مبكرًا والالتزام بالعلاج، محذرًا من أن استمرار ترسب بلورات اليورات قد يؤدي مع الوقت إلى تلف المفاصل وتكوّن العُقد النقرسية.
مضيفاً : «العلاج الخافض لحمض اليوريك هو الأساس في إزالة ترسب البلورات والوقاية من تلف المفاصل، ولا يغني عنه أي نظام غذائي، ولا ينبغي إيقافه عند تحسن الأعراض أو أثناء النوبة إلا بعد استشارة الطبيب ، فالهدف ليس حرمان المريض من نصف ما على مائدته، بل مساعدته على السيطرة على المرض والعيش بصحة أفضل وفق الطب المبني على الدليل».




