د. ضياء : الأمعاء ليست للهضم فقط إنها “الدماغ الثاني” للجسم

كشف طبيب الروماتيزم وهشاشة العظام الدكتور ضياء حسين، أن النظرة العلمية إلى الأمعاء شهدت تحولاً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد مجرد عضو مسؤول عن هضم الطعام وامتصاص المغذيات، بل أصبحت محوراً لعدد متزايد من الدراسات التي تبحث في تأثيرها على صحة الدماغ والحالة النفسية والعديد من الوظائف الحيوية في الجسم ، موضحاً أن العلاقة بين الأمعاء والدماغ تمثل شبكة اتصال معقدة ومتبادلة بين الجهاز الهضمي والجهاز العصبي المركزي، حيث تنتقل الإشارات العصبية والكيميائية بين الطرفين بشكل مستمر عبر العصب الحائر ، إضافة إلى الهرمونات والجهاز المناعي والميكروبات النافعة الموجودة داخل الأمعاء .
وبين د.ضياء أن الأمعاء تلقب بـ “الدماغ الثاني”، وهو مصطلح يستخدمه العلماء لوصف الجهاز العصبي المعوي ، وهو شبكة معقدة تضم مئات الملايين من الخلايا العصبية المنتشرة على طول الجهاز الهضمي ، ولا يعني هذا أن الأمعاء تفكر أو تتخذ القرارات مثل الدماغ، لكنها تمتلك قدرة كبيرة على تنظيم العديد من وظائفها بشكل مستقل، مثل حركة الأمعاء وإفراز الإنزيمات وتنظيم عملية الهضم.
وأضاف أن السنوات الأخيرة شهدت تزايداً ملحوظاً في الدراسات التي تربط بين صحة الدماغ وصحة الأمعاء، حيث أشارت دراسة علمية مراجعة حديثة نشرت عام 2025 في مجلة Nature Reviews Immunology إلى أن ما يعرف بمحور الأمعاء–المناعة–الدماغ أصبح من أكثر مجالات البحث تطورًا، إذ أظهرت الأدلة أن اضطراب توازن البكتيريا المعوية قد يسهم في تنشيط الالتهابات العصبية والمناعية، بينما قد يساعد الحفاظ على صحة الميكروبيوم في دعم وظائف الدماغ وتنظيم الاستجابة المناعية ، وتتوافق هذه النتائج مع ما نشرته مجلة Signal Transduction and Targeted Therapy عام 2024، حيث أوضحت مراجعة علمية شاملة أن محور الأمعاء–الدماغ يمثل شبكة اتصال ثنائية الاتجاه، تتواصل من خلالها البكتيريا النافعة مع الدماغ عبر الجهاز المناعي والعصب الحائر والهرمونات ونواتجها الأيضية، بما يؤثر في الوظائف العصبية والمزاج والاستجابة للضغوط النفسية.
ولفت إلى أن الدراسات أشارت إلى أن نحو 90% من السيروتونين في الجسم ينتج في الجهاز الهضمي بواسطة الخلايا المفرزة للسيروتونين، ويتأثر إنتاجه بصورة غير مباشرة بتركيب الميكروبيوم المعوي، إلا أن سيروتونين الأمعاء لا يعبر الحاجز الدموي الدماغي، وإنما يؤثر في الدماغ عبر مسارات عصبية ومناعية وهرمونية معقدة.
وأشار د.ضياء إلى أن وظائف الأمعاء تتجاوز عملية الهضم التقليدية، فهي مسؤولة عن امتصاص المغذيات والفيتامينات والمعادن، وتشكّل جزءًا أساسياً من منظومة المناعة في الجسم، كما تسهم في حماية الجسم من الميكروبات الضارة وتنظيم الالتهابات والمحافظة على توازن البيئة الداخلية ، لذلك فإن أي اضطراب مزمن في صحة الأمعاء قد ينعكس على العديد من أجهزة الجسم الأخرى ، كما أن تأثير صحة الأمعاء لا يقتصر على الدماغ وحده، بل يمتد ليشمل أعضاء وأجهزة متعددة، منها الجهاز المناعي والكبد والقلب والجلد، إضافة إلى تأثيرها في عمليات التمثيل الغذائي وتنظيم مستويات السكر والدهون في الجسم ، كما أن الالتهابات المزمنة الناتجة عن اضطراب البيئة المعوية قد تؤثر في وظائف العديد من الأعضاء على المدى الطويل.
وينصح د.ضياء أفراد المجتمع بأهمية اتباع نظام غذائي متوازن غني بالألياف الغذائية الموجودة في الخضراوات والفواكه والبقوليات ، مع الإكثار من شرب الماء وممارسة النشاط البدني بانتظام ، بجانب الحد من تناول الأغذية فائقة المعالجة والوجبات السريعة، والحفاظ على ساعات كافية من النوم وتجنب السهر ، وإدارة الضغوط النفسية بصورة صحية، وعدم استخدام المضادات الحيوية أو الأدوية الأخرى إلا عند الحاجة وتحت إشراف طبي، لما لها من تأثير محتمل على التوازن الميكروبي داخل الأمعاء.
ويختتم د. ضياء حديثه قائلاً :
لم تعد صحة الأمعاء تقتصر على تحسين عملية الهضم، بل أصبحت أحد المحاور الرئيسة في الطب الحديث، لما لها من دور محتمل في دعم صحة الدماغ، وتنظيم المناعة، والوقاية من العديد من الأمراض المزمنة ، لذلك فإن اتباع نمط حياة صحي ومتوازن يمثل استثماراً حقيقياً في صحة الإنسان على المدى البعيد .




