المحليات

النوم .. ورشة الصيانة الليلية التي نهملها

بقلم: د. ضياء حسين، طبيب الروماتيزم — خبير في الطب الشمولي

نظن أحياناً أن النوم مجرد راحة نقضي فيها ساعات الليل، والحقيقة أنه ورشة صيانة متكاملة: فيه تُرمَّم الخلايا، وتُضبط الهرمونات، ويرتّب الدماغ ما تعلّمه في يومه ، ومع ذلك صار النوم الجيد عملة نادرة في زمن الضغوط والشاشات والسهر، حتى أصبح الأرق والشخير وتململ الساقين واضطراب الساعة البيولوجية شكاوى يومية أسمعها في العيادة من الكبار والصغار.

 

*ما النوم الصحي؟*

النوم الصحي ليس عدد ساعات فحسب، بل نوم منتظم يمر فيه الجسم بمراحله الطبيعية كاملة. ويحتاج معظم البالغين إلى سبع ساعات أو أكثر كل ليلة، والمقياس العملي هو شعورك عند الاستيقاظ وقدرتك على يومك. والنوم الكافي الجيد يدعم الذاكرة والتركيز واستقرار المزاج، ويساعد على تنظيم الشهية وصحة القلب والمناعة. أما قلة النوم المزمنة فترتبط بزيادة خطر السكري من النوع الثاني وارتفاع ضغط الدم.

 

*رحلة الليل: مراحل النوم*

يمر كل إنسان بالمراحل نفسها، وإن اختلفت مدتها من شخص لآخر ومن ليلة لأخرى. نبدأ بنوم خفيف انتقالي، ثم مرحلة أعمق قليلاً تتباطأ فيها ضربات القلب وتسترخي العضلات، ثم النوم العميق، وهو أهم مراحل الترميم الجسدي. ثم يأتي نوم حركة العين السريعة، الذي تكثر فيه الأحلام ويكون الدماغ فيه نشطاً، وهو مهم لتثبيت الذاكرة وتنظيم العواطف. وتستغرق الدورة الواحدة نحو 90 دقيقة، وتتكرر عدة مرات في الليلة. ولهذا قد يستيقظ المرء متعباً رغم طول ساعات نومه إذا تقطعت هذه الدورات.

 

*هرمونات تعمل في الظلام*

أثناء الليل تنشط هرمونات لا تؤدي عملها كما ينبغي دون نوم جيد:

-هرمون النمو: يُفرز معظمه في النوم العميق، وهو أساسي لنمو الأطفال، ويساعد البالغين على تجديد الأنسجة.

-الميلاتونين: يبدأ إفرازه مع حلول الظلام، فيعطي الجسم إشارة الاستعداد للنوم.

-الكورتيزول: ينخفض ليلاً ويرتفع صباحاً ليمنحنا اليقظة والطاقة.

-اللبتين والغريلين: هرمونا الشبع والجوع. قلة النوم تخفض الأول وترفع الثاني، فتزيد الشهية وتسهم في زيادة الوزن.

-الساعة البيولوجية: مايسترو الليل والنهار

في الدماغ ساعة دقيقة تقع في منطقة تسمى «النواة فوق التصالبية». تضبط هذه الساعة إيقاع الجسم على مدار 24 ساعة: مواعيد النوم والاستيقاظ، وإفراز الهرمونات، ودرجة الحرارة، والشهية، والنشاط ، وأهم ما يضبطها هو الضوء: ضوء الصباح يوقظها، والظلام يمهّد للنوم. ولذلك يربكها العمل الليلي والسهر الطويل، فتظهر اضطرابات النوم والإرهاق وتقلّب المزاج ، وحين تتغير مواعيدنا فجأة، كما في رمضان أو العيد أو الإجازات، تحتاج الساعة البيولوجية إلى عدة أيام لتتأقلم، ويختلف ذلك من شخص لآخر ، والصداع في الأيام الأولى شائع، ويرتبط غالباً بقلة النوم أو قلة الماء أو تغيّر موعد القهوة ، ويخففه أن تُبقي موعد استيقاظك قريباً من المعتاد قدر الإمكان، وتتعرض لضوء الشمس صباحاً، وتشرب الماء موزعاً بين الإفطار والسحور، وتتجنب القهوة في المساء.

القهوة: التوقيت والكمية هما الحاسم

يعمل الكافيين بإيقاف مادة الأدينوسين التي تبعث على النعاس، فيؤخر النوم ويقلل عمقه، لكن أثره يختلف من شخص لآخر: بحسب العمر، وسرعة تكسير الكبد للكافيين، والكمية المتناولة.

 

*الكافيين يقلل مدة النوم *

وقد جمع تحليل علمي نُشر عام 2023 في مجلة Sleep Medicine Reviews نتائج أربع وعشرين دراسة، فوجد أن الكافيين يقلل مدة النوم بنحو 45 دقيقة في المتوسط. وقدّر الباحثون أن فنجان القهوة المعتاد ينبغي أن يُشرب قبل النوم بنحو تسع ساعات كي لا يؤثر فيه ، فمن ينام في الحادية عشرة ليلاً يحسن به أن يجعل آخر فنجان قبل الثانية ظهراً تقريباً، خاصة إذا كان نومه صعباً ، فالقهوة ليست عدواً للنوم، لكن موعدها ومقدارها يصنعان الفرق.

-الأرق: أسباب متعددة وحلول مختلفة

الأرق صعوبة في بدء النوم، أو استيقاظ متكرر، أو استيقاظ مبكر دون القدرة على العودة للنوم ، ومن أسبابه: القلق وكثرة التفكير ، عدم انتظام مواعيد النوم ، المنبهات والوجبات الثقيلة ليلاً ، البيئة غير المريحة من ضوء أو ضجيج ، وأمراض جسدية كآلام المفاصل ومشكلات التنفس.

 

 

*التغيرات الهرمونية لدى بعض النساء وكبار السن*

وأرى في عيادة الروماتيزم يومياً كيف يدخل المريض في حلقة مفرغة ، فالألم يقطع النوم، وقلة النوم تزيد الإحساس بالألم والتعب ، ولذلك أعدّ علاج النوم جزءاً من علاج الألم ، وإذا استمر الأرق أسابيع، فالعلاج المعرفي السلوكي للأرق هو العلاج الأول الموصى به عالمياً، قبل الحبوب المنومة.

 

 

*الشاشات: ليس الضوء الأزرق وحده*

الهاتف الذكي اليوم من أكبر لصوص النوم ، وأخطر ما فيه ليس الضوء المنبعث منه فقط، بل المحتوى الذي يُبقي الدماغ متيقظاً ، مقطع يتبعه مقطع، ورسالة تنتظر رداً، وإشعارات لا تهدأ ، وقد وجدت دراسة نرويجية نُشرت عام 2025 في مجلة Frontiers in Psychiatry، وشملت أكثر من 45 ألف طالب جامعي، أن كل ساعة إضافية من استعمال الشاشة بعد الذهاب إلى السرير ارتبطت بارتفاع احتمال أعراض الأرق بنسبة 59%، ونقص النوم نحو 24 دقيقة ، ولهذا لا يكفي تشغيل «الوضع الليلي» ، نصيحتي: ضع الهاتف جانباً قبل النوم بساعة على الأقل ، اتركه خارج غرفة النوم، استعمل منبهاً عادياً بدلاً منه ، ويزداد الأمر أهمية لدى الأطفال والمراهقين.

-النعاس المفاجئ في النهار

النوم المفاجئ في أماكن غير مناسبة له أسباب، أشيعها نقص النوم المزمن. ومنها:

انقطاع النفس أثناء النوم ، بعض الأدوية كمضادات الحساسية المنومة والمهدئات.

الاكتئاب ، واضطراب الساعة البيولوجية بسبب العمل الليلي أو السفر.

-النوم القهري، وهو اضطراب عصبي نادر.

وأياً كان السبب، فالنعاس المتكرر يحتاج إلى تقييم طبي. ومن يغفو أثناء القيادة يجب أن يتوقف عنها حتى يُقيَّم نومه.

 

*الشخير: متى يكون خطيراً؟*

يحدث الشخير حين يضيق مجرى الهواء أثناء النوم. ومن أسبابه انسداد الأنف بسبب الحساسية، وزيادة الوزن، وتضخم اللوزتين خاصة لدى الأطفال، والنوم على الظهر، والتدخين، والمهدئات ، وكثيراً ما يخففه علاج احتقان الأنف ، إنقاص الوزن ، النوم على الجانب ، ترك التدخين ، أما إذا صاحبه توقف في التنفس يلاحظه الآخرون، أو اختناق ليلي، أو نعاس شديد في النهار، فقد يكون انقطاعاً في النفس أثناء النوم ، وهذا يحتاج إلى دراسة نوم، وقد يُعالج بجهاز الضغط الهوائي الإيجابي (CPAP).

 

*تململ الساقين: افحص الحديد أولاً*

في هذه الحالة يشعر الإنسان برغبة ملحّة في تحريك ساقيه، مع إحساس مزعج كالزحف أو الوخز، يشتد مساءً وعند الراحة ويخف بالحركة. ومن أهم أسبابه نقص مخزون الحديد، حتى مع هيموغلوبين طبيعي. ويكثر أيضاً مع الحمل والفشل الكلوي، وقد تزيده بعض مضادات الاكتئاب ومضادات الحساسية ، وقد غيّرت إرشادات الأكاديمية الأمريكية لطب النوم الصادرة عام 2025 طريقة علاجه ، وصار فحص الحديد أول خطوة: الفيريتين وتشبع الترانسفيرين معاً ، ويُنظر في تعويض الحديد إذا كان الفيريتين 75 نانوغرام/مل أو أقل، أو كان التشبع أقل من 20%. وهي عتبات أعلى مما يُستعمل عادة لتشخيص نقص الحديد ، كما لم تعد أدوية الدوبامين التي كانت تُوصف كثيراً علاجاً معتاداً، لأنها قد تُفاقم الأعراض مع طول الاستعمال.

فلا تبدأ الحديد أو أي دواء دون تقييم طبي. وتساعد معه خطوات بسيطة: تقليل الكافيين، وترك التدخين، وتمارين إطالة خفيفة للساقين قبل النوم.

 

*المشي والكلام أثناء النوم*

المشي أثناء النوم شائع لدى الأطفال، ويرتبط غالباً بعدم اكتمال نضج الجهاز العصبي، ويزيده الحرمان من النوم والتوتر، ويكثر في العائلات ، وهو في الغالب غير خطير ويزول مع العمر ، والمهم أن يؤمّن الوالدان البيئة حول الطفل بإغلاق الأبواب والنوافذ وإزالة ما قد يؤذيه ، أما الكلام أثناء النوم فشائع وغير ضار في معظم الحالات، ويزيده الإرهاق والتوتر ، ولا يحتاج إلى عيادة النوم إلا إذا تكرر كثيراً أو صاحبته اضطرابات أخرى.

 

*خلاصة القول*

النوم ليس وقتاً ضائعاً من يومنا، بل استثمار في صحتنا كلها. ابدأ بموعد استيقاظ ثابت، وضوء صباحي، وحركة في النهار، وقهوة مبكرة، وهاتف بعيد عن السرير. وإذا استمرت مشكلة النوم رغم ذلك، فلا تكتفِ بالحبوب أو بنصائح المواقع، واطلب تقييماً طبياً. فخلف كثير من الإرهاق سبب قابل للعلاج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com