
#المرأة الحائرة بين التحرر الحقيقي وفقدان الذات أغمضت عينيها، وغضت الطرف عن العالم. وفي هدوء عميق خفتت أصوات الصراعات التي تموج من كل اتجاه
ومن صراع إلى صراع، ومن فكرة إلى فكر، ومن طموح يعلق الآمال على قمم التطلعات إلى ضمور يثقل الروح ويطفئ جذوة الشغف، ومن تطلع إلى ارتقاء نحو انحدار يبدد الأحلام، ومن ديمومة تبنى على الثبات إلى نزوة عابرة لا تلبث أن تتلاشى.
وفتن تتراكم كسواد الليل فوق بحر لجي متلاطم الأمواج، حتى يلتبس الحق بالباطل، وتضيع معالم الطريق.
حتى غدت المرأة تتنقل بين محطات متباعدة، تبحث عن ذاتها في مسارات متناقضة، فتجد نفسها كلما اقتربت من إجابة، ازدادت أسئلتها اتساعا، وكلما ظنت أنها بلغت شاطئ الاستقرار، وجدت نفسها أمام موجة جديدة من الحيرة.
بين نعرات النسوية التي اتخذ بعضها من الشعارات سلما للظهور حتى نزعت المرأة من منزلتها وأبعدتها عن طمأنينة أنوثتها، وبين التشدد الذي تجاوز الاعتدال حتى غلبت القسوة على الحكمة، وحرمت به النفوس من نور العلم والرحمة.
وبين خطابات التنمية البشرية التي تصدر الوعود الكبيرة، بينما تسحق الإنسان تحت وطأة المثالية المفرطة، وبين علوم الطاقة والشعوذة التي تلبس الوهم ثوب الحقيقة وتقتاد الحائرات نحو السراب، تقف المرأة اليوم وسط هذا الركام المعرفي، تتجاذبها المذاهب والأفكار، وتتساءل في صمت:
أين أنا من كل هذا الضجيج؟
وأي الطرق أقرب إلى ذاتي الخالصة؟
وبين الدعوات التي ترفع راية التحرر
برزت شعارات تتكرر بكثافة حتى
بدت وكأنها مسار حتمي للحياة:
«انطلقي، تحرري، اتركي كل شيء خلفك، واجعلي نفسك أولا».
ومع اتساع انتشار هذه الخطابات، لم تعد مجرد عبارات عابرة، بل تحولت إلى ظاهرة تستحق التأمل في مضمونها
وفي الطريقة التي أعيد بها تشكيل مفهوم التحرر.
.غير أن الإشكال لا يكمن في التحرر ذاته، بل في تعريفه. فالتحرر الحقيقي لا يعني القطيعة مع الجذور، ولا إعلان الرفض لكل ما سبق، بل يعني امتلاك الوعي، والقدرة على الاختيار، وبناء الحياة بتوازن من غير أن تفقد المرأة هويتها أو تسمح بطمسها تحت وطأة الشعارات المتغيرة
إن طمس الهوية لا يحدث دفعةً واحدة، بل يبدأ بتنازلات صغيرة، ثم يتحول إلى حالةٍ من الاغتراب تجعل المرأة غريبةً عن نفسها، فلا تعود قادرةً على التمييز بين ما تؤمن به حقًا، وما تبنته تحت تأثير الضغوط والأفكار السائدة
وعندما يتحول هذا المفهوم إلى رفض للانتماء، أو إلى صدام دائم مع الأسرة والمجتمع، فإنه لا يحقق التحرر بقدر ما ينقل المرأة من قيود ظاهرة إلى قيود أخرى أكثر خفاء، ومن تبعية إلى أخرى تختلف في صورتها، لكنها تتشابه في أثرها.
.وفي خضم هذا الازدحام الفكري
تضيع الحدود بين ما هو أصيل وما هو دخيل
وبين ما يبنى على العلم وما يبنى على الأوهام
فتجد المرأة نفسها أمام معركة لا تخوضها مع الآخرين فحسب
بل تخوضها مع ذاتها أيضا.
في هدوء الليل، حين يبرد صخب العالم وتتوارى المشاغل خلف الستار، تبدأ الروح حديثها الحقيقي. ليس المطلوب دائما امتلاك إجابات لكل الأسئلة، بل امتلاك الشجاعة الكافية للإصغاء إلى النفس بصفاء ولطف.
هناك، بعيدا عن ضغوط الشعارات والمتاجرة بالأفكار، تتكشف حقيقة طالما غابت؛ فالحيرة ليست دليلا على الضعف، بل قد تكون بداية للوعي
وأولى خطوات الرحلة نحو اليقين.
وكم من امرأة أرهقتها محاولات التشبه بالآخرين حتى فقدت ملامحها الحقيقية، وكم من فكرة زينت حتى بدت خلاصا، ثم لم تكن سوى طريق جديد إلى الاغتراب والتيه.
إن أكثر ما تحتاج إليه المرأة اليوم ليس مزيدا من الأصوات التي تملي عليها كيف تعيش، ولا مزيدا من الوصفات الجاهزة التي تقدم لها على أنها مفاتيح للسعادة، بل مساحة من السكون النفسي والمعرفي؛ تعيد فيها اكتشاف فطرتها، وتزن بها الأشياء بميزان العقل والكرامة، بعيدا عن التصنيفات الحادة والأحكام المسبقة.
فحين يهدأ كل شيء،لا يبقى سوى الحقيقة المجردة:
أن الاتزان لا يصنع بالصراخ
وأن الطمأنينة لا تشترى بالأفكار الرائجة، وأن المرأة لا تجد هويتها
حين تتصالح مع ذاتها
وتدرك أن قوتها تكمن في وعيها واتزانها، لا في تصفيق الآخرين.
⚫️ولعل أجمل ما في الليل أنه يمنح الأرواح فرصة لترميم ما أفسده النهار، ويمنح القلوب فرصة للعودة إلى الأصل، ويمنح المرأة الحائرة فرصة لتدرك أن الطريق إلى الذات لم يكن بعيدا يوما، بل كان مختبئا
خلف ضجيج الآخرين
ولا يظهر إلا حين تتوقف
عن البحث عن نفسها
في عيون الأخرين .
…✍🏻/نور الهدى الجمَّال




