د.ضياء حسين : تصفح “الجوال” فور الاستيقاظ يربك الدماغ ويزيد التوتر الذهني

حذر طبيب الروماتيزم وهشاشة العظام الدكتور ضياء حسين، من اعتياد شريحة كبيرة من أفراد المجتمع على مشاهدة الجوال فور الاستيقاظ من النوم، واصفاً هذه العادة بأنها من أكثر السلوكيات الصباحية الخاطئة انتشاراً في العصر الحديث، لما قد تحمله من انعكاسات صحية ونفسية سلبية على المدى القريب والبعيد، خاصة عندما يتحول الهاتف إلى أول ما تقع عليه العين قبل النهوض من السرير أو بدء النشاط اليومي ، فكثيراً من الأشخاص أصبحوا يبدأون يومهم بتصفح الرسائل والتنبيهات أو متابعة منصات التواصل الاجتماعي والأخبار، حتى بات الأمر لدى البعض عادة تلقائية تحدث خلال ثوان قليلة من فتح العينين، دون إدراك لما يمكن أن تسببه هذه الممارسة من ضغط ذهني مبكر على الدماغ والجسم.
وبين أن الجسم البشري يمر فور الاستيقاظ بمرحلة فسيولوجية دقيقة تعرف علمياً باسم “خمول الاستيقاظ” أو Sleep Inertia، وهي فترة انتقالية يحتاج خلالها الدماغ إلى وقت قصير لاستعادة كامل اليقظة والانتباه ، وخلال هذه المرحلة يبدأ الجسم تدريجياً بتنظيم النشاط العصبي، وإعادة توازن الهرمونات المرتبطة بالاستيقاظ مثل هرمون الكورتيزول، إلى جانب انتظام معدل ضربات القلب وضغط الدم والنشاط الإدراكي.
وأضاف أن الدماغ في تلك اللحظات الأولى يكون أكثر حساسية للمؤثرات الخارجية، وبالتالي فإن تعريضه مباشرة لسيل من الرسائل والتنبيهات والمعلومات والصور والمقاطع المصورة قد يدفع الجهاز العصبي إلى الانتقال المفاجئ من حالة الراحة إلى حالة الاستثارة الذهنية والانفعالية، وهو ما قد يؤدي إلى الشعور المبكر بالتوتر أو القلق أو التشتت الذهني، خصوصاً إذا صادف الشخص أخباراً مزعجة أو نقاشات حادة أو محتوى يثير المقارنة الاجتماعية والضغط النفسي.
وأشار إلى أن من أبرز الانعكاسات الصحية السلبية المرتبطة بهذه العادة انخفاض جودة التركيز في الساعات الأولى من الصباح، وارتفاع مستوى التشتت الذهني، والشعور بالإرهاق النفسي المبكر، إضافة إلى زيادة احتمالية القلق لدى بعض الأشخاص، لاسيما أولئك الذين يتأثرون سريعاً بالمحتوى الرقمي أو الضغوط الاجتماعية ، كما أن البدء المباشر بالهاتف قد يجعل الشخص أكثر ميلاً للخمول وتأجيل النشاط البدني الصباحي، ما ينعكس تدريجياً على نمط الحياة والصحة العامة.
ولفت د. ضياء إلى أن التأثير لا يقتصر على الصحة النفسية فقط بل قد يمتد أيضاً إلى جودة النوم على المدى الطويل، فالاعتياد على ربط السرير باستخدام الهاتف صباحاً ومساءً قد يعزز ما يعرف بالسلوك الرقمي الملازم للنوم، الأمر الذي قد يضعف جودة الراحة الليلية ويزيد من فرص اضطرابات النوم والإجهاد الذهني المزمن ، منوهاً إلى أن الأبحاث العلمية الحديثة بدأت تتوسع في دراسة تأثير استخدام الهواتف الذكية في أوقات النوم والاستيقاظ، وإن كانت لا تزال تفرق علمياً بين الاستخدام المعتدل والاستخدام المفرط أو العشوائي.
وأوضح أن إحدى الدراسات الحديثة أجريت في فنلندا بالتعاون بين باحثين من جامعة أولو، واعتمدت على بيانات استخدام فعلية للهواتف الذكية لدى مشاركين بالغين، وكشفت وجود علاقة سلبية بين استخدام الهاتف داخل السرير وبين جودة النوم وبعض مؤشرات الراحة الذهنية، حيث تبين أن الاستخدام المرتفع للهاتف ارتبط بزيادة الاضطرابات المتعلقة بالنوم وضعف الاسترخاء الذهني ، كما أظهرت مراجعة علمية وتحليل شمولي (Meta-analysis) أُجري في كوريا الجنوبية بقيادة باحثين من جامعة بوسان الوطنية ومستشفى يانغسان الجامعي، وجود ارتباط ملحوظ بين الاستخدام المكثف للهاتف الذكي وضعف جودة النوم وارتفاع بعض المؤشرات النفسية المرتبطة بالتوتر والإجهاد.
ونوه د.ضياء أن دراسات حديثة منشورة في Sleep Health وFrontiers in Psychiatry خلال 2023–2025 أظهرت أن التعرض المستمر للضوء الأزرق الصادر من الشاشات قد يثبط إفراز الميلاتونين ويؤدي إلى اضطراب النوم وزيادة الإجهاد النفسي ، لذلك ينصح بتقليل استخدام الجوال قبل النوم وبعد الاستيقاظ مباشرة، وتحسين جودة النوم، وممارسة النشاط البدني للحفاظ على التوازن المناعي والصحة العامة.
أما فيما يتعلق بما يحدث للدماغ فور الاستيقاظ، فأوضح د. ضياء أن إحدى الدراسات المهمة أجريت في اليابان حول ظاهرة “خمول الاستيقاظ”، وأكدت أن الدماغ لا يستعيد كامل كفاءته الإدراكية مباشرة بعد فتح العينين، بل يحتاج إلى فترة انتقالية حتى يعود إلى أعلى مستويات التركيز والانتباه، وهو ما يجعل تحميله كماً كبيراً من المعلومات الرقمية فور الاستيقاظ أمراً غير صحي لبعض الأشخاص، خاصة من يعانون القلق أو الإجهاد المزمن ، مشدداً على أهمية التعامل الواقعي مع هذه القضية بعيداً عن المبالغة أو التخويف، فالهدف ليس الامتناع الكامل عن استخدام الهاتف صباحاً، وإنما تنظيم العلاقة معه وعدم جعله أول نشاط يومي بصورة تلقائية.
ويوجّه د.ضياء مجموعة من النصائح الصحية لأفراد المجتمع، أبرزها تأجيل استخدام الهاتف لمدة تتراوح بين 20 و30 دقيقة بعد الاستيقاظ، ومنح الدماغ فرصة طبيعية للانتقال التدريجي إلى حالة اليقظة، مع الحرص على شرب الماء فور الاستيقاظ لتعويض السوائل، وفتح النوافذ أو التعرض لأشعة الشمس الصباحية للمساعدة في تنشيط الساعة البيولوجية، إضافة إلى ممارسة تمارين خفيفة أو المشي البسيط أو تمارين التنفس، وتناول إفطار متوازن بعيداً عن التوتر الرقمي المبكر ، فالطريقة التي يبدأ بها الإنسان صباحه تنعكس بصورة كبيرة على حالته النفسية والجسدية طوال اليوم، فمنح العقل دقائق من الهدوء عند الاستيقاظ قد يكون انعكاساً صحياً بسيطاً لكنه مؤثر في رفع التركيز وتقليل التوتر وتحسين جودة الحياة اليومية.




