صهيل الخيل مربكة

ليس كل صوتٍ قادرًا على تحريك الروح لكن صهيل الخيل وحده يمتلك تلك الجرأة التي تشقّ الصمت وتوقظ في قلب الإنسان ما كان يظنه انتهى منذ زمن. ففي كل صهيل ارتجاجٌ يشبه ارتجاج الأرض قبل ولادة العاصفة، وفي كل رفّة قدمٍ للفرس إعلانٌ عن قوة لا تبحث عن شاهد، بل عن مساحة تنطلق فيها. الصهيل مربك لأنه حقيقي، ولأن الحقيقية حين ترتفع أصواتها، تُربك كل ما بداخلنا كان يحاول أن يتظاهر بالثبات.
الإنسان حين يستمع لصهيل الخيل، يبدو وكأنه يستمع لصهيله الداخلي؛ ذلك الصوت المدفون بين طبقات من الصبر والخوف والتجارب. وكل منا يحمل في داخله قوة مربّعة الجهات، تتوزع في مسارات مختلفة: جهة تسحبنا نحو الماضي بثقله، وجهة تدفعنا إلى المستقبل بأحلامه، وجهة تهزّ فينا الخوف من المجهول، وجهة تهمس بالحدس الذي لا يخون. وفي اللحظة التي تتصادم فيها هذه الجهات الأربع، يولد ذلك الارتباك الذي نعرفه دون أن نفسّره، ذلك الارتباك الذي يؤكد أننا على وشك أن نتغير.
ولأن القوة ليست ضجيجًا دائمًا، فإن ارتباكها قبل انطلاقها أمر طبيعي. الخيل نفسها تهمس بالأرض تحتها قبل أن تنطلق، تتنفس بعمق، وتشدّ عضلاتها، ثم تتقدم بثبات نحو الميدان. هذه اللحظة بين السكون والحركة هي اللحظة التي تشبه الإنسان حين يقف أمام قرارٍ كبير؛ يعرف أنه سيتغير بعده، لكنه لا يعرف كيف ولا إلى أين سيصل. وهذا ما يجعل الصهيل مربكًا… لأنه يشبه تلك المسافة الرفيعة بين التردد والجرأة.
قوة الإنسان ليست في اندفاعه، بل في تحكّمه. في قدرته على أن يعرف متى يركض، ومتى يقف، ومتى يعيد حساباته. كثيرون يظنون أن الشجاعة هي القفز مباشرة، بينما الشجاعة الحقيقية تظهر في لحظات التريّث التي تسبق الخطوة، في لحظة بناء الاتزان قبل الاندفاع. فالقوة المربّعة ليست مربّعة الشكل عبثًا؛ إنها قوة لها أربعة أعمدة، أربعة توازنات، أربعة معانٍ: الصبر، الوعي، الحدس، والإرادة.
والصهيل الداخلي الذي نحمله لا ينطلق دائمًا في الوقت الذي نريده، أحيانًا يعلو حين نتعب، وحين نشعر أن الطرق قد ضاقت، وحين نظن أننا غير قادرين على المزيد. لكنه يعلو ليُذكّرنا بأننا لم نصل بعد إلى كل ما نستحقه. يعلو ليهزّ الغبار العالق على القلب ويعيد ترتيب الفوضى في رؤوسنا، ويمنحنا تلك الارتعاشة الأولى التي تسبق القوة.
وفي لحظات كثيرة يكون الصهيل مربكًا لأنه يطالبنا بأن نرى حقيقتنا بلا تجميل. أن نرى قوتنا كما هي، وأن نرى ضعفنا أيضًا. فالقوة لا تكتمل إلا حين نعترف بأننا لسنا كاملين. والخيل لا تنطلق لأنها لا تخاف، بل لأنها قررت أن تتحرك رغم خوفها. وهكذا الإنسان… قوتك لا تظهر حين تنعدم أسباب الخوف، بل حين تواجه خوفك وتتحرك معه جنبًا إلى جنب دون أن تسمح له بأن يشلك.
وحين يصل الإنسان إلى لحظة التوازن بين خوفه وقوته، تظهر فيه طبقة من النضج تشبه لمعان عيون الخيل عندما تستعد للسباق. هذا النضج ليس نتيجة انتصارات سهلة، بل نتيجة معارك داخلية صامتة خاضها مع نفسه، وكل معركة منها تركت فيه أثرًا وصنعت له حافزًا، وضخّت في داخله طبقة جديدة من الصلابة.
وحين يشتد الصهيل في داخلك لدرجة أنك تشعر به أكثر مما تسمعه، اعرف أنك أمام مرحلة جديدة. مرحلة تحتاج منك أن تخفّف أثقال الماضي، وتتقدم بخفّة، وتمنح نفسك حق الاندفاع الذي أخّرته طويلًا. فالقوة التي تسبقك ليست قوة خارقة، بل قوة تراكمت من كل خيبة وكل تأخّر وكل درس تعلمته حين لم يكن هناك أحد يراك.
وخاتمة القول
إنّ صهيل الخيل مربك لأنه يشبه الحقيقة حين تطرق بابك بلا موعد؛ يضعك بينك وبين ذاتك بلا وسطاء، يكشف ما لا تريد الاعتراف به ويلمح لما أنت قادر عليه دون أن تتجرأ أن تقوله بصوت عالٍ. هو الصوت الذي يذكّرك أن الحياة ليست سباقًا مع الآخرين، بل مصارحة طويلة مع نفسك. وعندما تفهم هذا الصهيل، وتفهم أنه لا يأتي عبثًا… ستدرك أن القوة ليست في أن تركض، بل في أن تعرف متى تبدأ، ومتى تتوقف ومتى ترفع رأسك عاليًا كفرسٍ تعرف جيدًا أنها خُلقت لتُدهش المدى.
بقلم صالحه السريحي





